الصفحة 48 من 484

وحين كان يخوض بالجماعة المسلمة المعركة ; في مواجهة الجاهلية الراسبة في نفوسها وأوضاعها من مخلفات البيئة التي التقطها المنهج الرباني منها ; وفي مواجهة الجاهلية الرابضة فيها ومن حولها - ممثلة في يهود المدينة ومنافقيها ومشركي مكة وما حولها - والمعركتان موصولتان في الزمان والمكان!

حين كان القرآن يصنع ذلك كله. . كان يبدأ فيقيم للجماعة المسلمة تصورها الصحيح , ببيان شرط الإيمان وحد الإسلام ; ويربط بهذا التصور - في هذه النقطة بالذات - نظامها الأساسي , الذي يميز وجودها من وجود الجاهلية حولها ; ويفردها بخصائص الأمة التي أخرجت للناس , لتبين للناس , وتقودهم إلى الله. . نظامها الرباني. .

وهذا الدرس يتولى بيان هذا النظام الأساسي , قائما ومنبثقا من التصور الإسلامي لشرط الإيمان وحد الإسلام!

إنه يتولى تحديد الجهة التي تتلقى منها الأمة المسلمة منهج حياتها ; والطريقة التي تتلقى بها ; والمنهج الذي تفهم به ما تتلقى , وترد إليه ما يجد من مشكلات وأقضية لم يرد فيها نص وتختلف الأفهام فيها ; والسلطة التي تطيعها وعلة طاعتها ومصدر سلطانها. . ويقول: إن هذا هو شرط الإيمان وحده الإسلام. .

وعندئذ يلتقي"النظام الأساسي"لهذه الأمة ; بالعقيدة التي تؤمن بها. . في وحدة لا تتجزأ ; ولا تفترق عناصرها. .

وهذا هو الموضوع الخطير الذي يجلوه هذا الدرس جلاء دقيقا كاملا. . وهذه هي القضية التي تبدو , بعد مطالعة هذا الدرس , بديهية يعجب الإنسان كيف يجادل مسلم فيها!

إنه يقول للأمة المسلمة: إن الرسل أرسلت لتطاع - بإذن الله - لا لمجرد الإبلاغ والإقناع:

(وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله) . .

ويقول لها: إن الناس لا يؤمنون - ابتداء - إلا أن يتحاكموا إلى منهج الله ; ممثلا - في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم - في أحكام الرسول. وباقيا بعده في مصدريه القرآن والسنة بالبداهة ; ولا يكفي أن يتحاكموا إليه - ليحسبوا مؤمنين - بل لا بد من أن يتلقوا حكمه مسلمين راضين:

فلا وربك. . لا يؤمنون. . حتى يحكموك فيما شجر بينهم , ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليمًا. . فهذا هو شرط الإيمان وحد الإسلام.

ويقول لها: إن الذين يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت - أي إلى غير شريعة الله - لا يقبل منهم زعمهم أنهم آمنوا بما أنزل إلى الرسول وما أنزل من قبله. فهو زعم كاذب. يكذبه أنهم يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت:

ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك , يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت - وقد أمروا أن يكفروا به - ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدًا.

ويقول لها: إن علامة النفاق أن يصدوا عن التحاكم إلى ما أنزل الله والتحاكم إلى رسول الله:

(وإذا قيل لهم: تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول , رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا) .

ويقول لها: إن منهجها الإيماني ونظامها الأساسي , أن تطيع الله - عز وجل - في هذا القرآن - وأن تطيع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنته - وأولي الأمر من المؤمنين الداخلين في شرط الإيمان وحد الإسلام معكم:

(يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله , وأطيعوا الرسول. وأولي الأمر منكم) . .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت