ويقول لها: إن المرجع , فيما تختلف فيه وجهات النظر في المسائل الطارئة المتجددة. والأقضية التي لم ترد فها أحكام نصية. . إن المرجع هو الله ورسوله. . أي شريعة الله وسنة رسوله.
(فإن تنازعتم في شيء , فردوه إلى الله والرسول) . .
وبهذا يبقى المنهج الرباني مهيمنا على ما يطرأ على الحياة من مشكلات وأقضية كذلك , أبد الدهر , في حياة الأمة المسلمة. . وتمثل هذه القاعدة نظامها الأساسي , الذي لا تكون مؤمنة إلا به , ولا تكون مسلمة إلا بتحقيقه. . إذ هو يجعل الطاعة بشروطها تلك , ورد المسائل التي تجد وتختلف فيها وجهات النظر إلى الله ورسوله. . شرط الإيمان وحد الإسلام. . شرطا واضحا ونصا صريحا:
(إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر) . .
ولا ننس ما سبق بيانه عند قوله تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به , ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) . . من أن اليهود وصموا بالشرك بالله , لأنهم كانوا يتخذون أحبارهم أربابا من دون الله - لا لأنهم عبدوهم - ولكن لأنهم قبلوا منهم التحليل والتحريم ; ومنحوهم حق الحاكمية والتشريع - ابتداء من عند أنفسهم - فجعلوا بذلك مشركين. . الشرك الذي يغفر الله كل ما عداه. حتى الكبائر. ."وإن زنى وإن سرق. وإن شرب الخمر". . فرد الأمر كله إلى إفراد الله - سبحانه - بالألوهية. ومن ثم إفراده بالحاكمية. فهي أخص خصائص الألوهية. وداخل هذا النطاق يبقى المسلم مسلما ويبقى المؤمن مؤمنا. ويطمع أن يغفر له ذنوبه ومنها كبائره. . أما خارج هذا النطاق فهو الشرك الذي لا يغفره الله أبدا. . إذ هو شرط الإيمان وحد الإسلام. (إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر. .)
هذا هو الموضوع الخطير الذي يتناوله هذا الدرس. بالإضافة إلى بيان وظيفة الأمة المسلمة في الأرض. من إقرار مبادى ء العدل والخلق على أساس منهج الله القويم السليم: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها. وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل. . إن الله نعما يعظكم به. . إن الله كان سميعا بصيرًا. .)
وأخيرا يجيء ذلك الإيقاع الحاسم الجازم. إذ يقسم الله - سبحانه - بذاته العلية , أنه لا يؤمن مؤمن , حتى يحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمره كله. ثم يمضي راضيا بحكمه , مسلما بقضائه. ليس في صدره حرج منه , ولا في نفسه تلجلج في قبوله:
فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم. ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت , ويسلموا تسليمًا. .
ومرة أخرى نجدنا أمام شرط الإيمان وحد الإسلام. يقرره الله سبحانه بنفسه. ويقسم عليه بذاته. فلا يبقى بعد ذلك قول لقائل في تحديد شرط الإيمان وحد الإسلام , ولا تأويل لمؤول.
اللهم إلا مماحكة لا تستحق الاحترام. . وهي أن هذا القول مرهون بزمان , وموقوف على طائفة من الناس! وهذا قول من لا يدرك من الإسلام شيئا ; ولا يفقه من التعبير القرآني قليلا ولا كثيرا. فهذه حقيقة كلية من حقائق الإسلام ; جاءت في صورة قسم مؤكد ; مطلقة من كل قيد. . وليس هناك مجال للوهم أو الإيهام بأن تحكيم رسول الله صلى الله عليه وسلم هو تحكيم شخصه. إنما هو تحكيم شريعته ومنهجه. وإلا لم يبق لشريعة الله وسنة رسوله مكان بعد وفاته صلى الله عليه وسلم وذلك قول أشد المرتدين ارتدادا على عهد أبى بكر - رضي الله عنه - وهو الذي قاتلهم عليه قتال المرتدين. بل قاتلهم على ما هو دونه بكثير. وهو مجرد عدم الطاعة لله ورسوله , في حكم الزكاة ; وعدم قبول حكم رسول الله فيها , بعد الوفاة!