الصفحة 88 من 484

/وهؤلاء المنافقون سمعوا صوت الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يفهموا وقالوا: ماذا قال آنفا؟ أي الساعة، وهذا كلام من لم يفقه قوله، فقال تعالى: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءهُمْ} [محمد: 16]

فمن جعل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، والتابعين لهم بإحسان، غير عالمين بمعاني القرآن، جعلهم بمنزلة الكفار والمنافقين فيما ذمهم اللَّه ـ تعالى ـ عليه.

الوجه السادس: أن الصحابة ـ رضي اللَّه عنهم ـ فسروا للتابعين القرآن، كما قال مجاهد: عرضت المصحف على ابن عباس من أوله إلى آخره، أقف عند كل آية منه وأسأله عنها.

ولهذا قال سفيان الثوري: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به. وكان ابن مسعود يقول: لو أعلم أحدًا أعلم بكتاب اللَّه مني تبلغه الإبل لأتيته. وكل واحد من أصحاب ابن مسعود وابن عباس نقل عنه من التفسير ما لا يحصيه إلا اللَّه. والنقول بذلك عن الصحابة والتابعين ثابتة معروفة عند أهل العلم بها.

فإن قال قائل: قد اختلفوا في تفسير القرآن اختلافًا كثيرًا، ولو كان ذلك معلومًا عندهم عن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يختلفوا فيه.

/فيقال: الاختلاف الثابت عن الصحابة، بل وعن أئمة التابعين في القرآن، أكثره لا يخرج عن وجوه:

أحدها: أن يعبر كل منهم عن معنى الاسم بعبارة غير عبارة صاحبه، فالمسمى واحد، وكل اسم يدل على معنى لا يدل عليه الاسم الآخر، مع أن كلاهما حق، بمنزلة تسمية اللَّه ـ تعالى ـ بأسمائه الحسنى، وتسمية الرسول صلى الله عليه وسلم بأسمائه، وتسمية القرآن العزيز بأسمائه، فقال تعالى: {قُلِ ادْعُوا اللّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى} [الإسراء: 110] .

فإذا قيل: الرحمن الرحيم، الملك القدوس السلام، فهي كلها أسماء لمسمى واحد ـ سبحانه وتعالى ـ وإن كان كل اسم يدل على نعت للّه ـ تعالى ـ لا يدل عليه الاسم الآخر.

ومثال هذا التفسير كلام العلماء في تفسير [الصراط المستقيم] فهذا يقول: هو الإسلام، وهذا يقول: هو القرآن، أي: اتباع القرآن، وهذا يقول: السنة والجماعة، وهذا يقول: طريق العبودية، وهذا يقول: طاعة اللَّه ورسوله.

ومعلوم أن الصراط يوصف بهذه الصفات كلها، ويسمى بهذه الأسماء كلها، ولكن كل واحد منهم دل المخاطب على النعت الذي به يعرف الصراط، وينتفع بمعرفة ذلك النعت.

/ الوجه الثاني: أن يذكر كل منهم من تفسير [الاسم] بعض أنواعه أو أعيانه على سبيل التمثيل للمخاطب، لا على سبيل الحصر والإحاطة، كما لو سأل أعجمي عن معنى لفظ [الخبز] فأرى رغيفًا وقيل: هذا هو، فذاك مثال للخبز وإشارة إلى جنسه، لا إلى ذلك الرغيف خاصة.

ومن هذا ما جاء عنهم في قوله تعالى: {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ} [فاطر: 32] .

فالقول الجامع: أن [الظالم لنفسه] : هو المفرط بترك مأمور أو فعل محظور، و [المقتصد] : القائم بأداء الواجبات وترك المحرمات، و [السابق بالخيرات] : بمنزلة المقرب الذي يتقرب إلى اللَّه بالنوافل بعد الفرائض حتى يحبه الحق.

ثم إن كلا منهم يذكر نوعًا من هذا. فإذا قال القائل: [الظالم] : المؤخر للصلاة عن وقتها، و [المقتصد] : المصلي لها في وقتها، و [السابق] : المصلي لها في أول وقتها حيث يكون التقديم أفضل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت