الصفحة 89 من 484

وقال آخر: [الظالم لنفسه] : هو البخيل الذي لا يصل رحمه ولا يؤدي زكاة ماله، و [المقتصد] : القائم بما يجب عليه من الزكاة وصلة الرحم وقرى الضيف والإعطاء في النائبة، و [السابق] : الفاعل المستحب بعد الواجب كما / فعل [الصدِّيق الأكبر] حين جاء بماله كله، ولم يكن مع هذا يأخذ من أحد شيئًا.

وقال آخر: [الظالم لنفسه] : الذي يصوم عن الطعام، لا عن الآثام، و [المقتصد] : الذي يصوم عن الطعام والآثام، و [السابق] : الذي يصوم عن كل ما لا يقربه إلى اللَّه ـ تعالى ـ وأمثال ذلك ـ لم تكن هذه الأقوال متنافية بل كل ذكر نوعًا مما تناولته الآية.

الوجه الثالث: أن يذكر أحدهم لنزول الآية سببًا ويذكر الآخر سببًا آخر ـ لا ينافي الأول ـ ومن الممكن نزولها لأجل السببين جميعًا، أو نزولها مرتين؛ مرة لهذا، ومرة لهذا.

وأما ما صح عن السلف أنهم اختلفوا فيه [اختلاف تناقض] ، فهذا قليل بالنسبة إلى ما لم يختلفوا فيه، كما أن تنازعهم في بعض مسائل السنة ـ كبعض مسائل الصلاة والزكاة، والصيام والحج، والفرائض والطلاق ونحو ذلك ـ لا يمنع أن يكون أصل هذه السنن مأخوذًا عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ وجملها منقولة عنه بالتواتر.

وقد تبين أن اللَّه ـ تعالى ـ أنزل عليه الكتاب والحكمة، وأمر أزواج نبيه صلى الله عليه وسلم أن يذكرن ما يتلى في بيوتهن من آيات اللَّه والحكمة.

/ وقد قال غير واحد من السلف: إن [الحكمة] هي السنة؛ وقد قال صلى الله عليه وسلم: (ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه) .

فما ثبت عنه من السنة فعلينا اتباعه، سواء قيل: إنه في القرآن، ولم نفهمه نحن، أو قيل: ليس في القرآن، كما أن ما اتفق عليه السابقون الأولون، والذين اتبعوهم بإحسان، فعلينا أن نتبعهم فيه، سواء قيل: إنه كان منصوصًا في السنة ولم يبلغنا ذلك، أو قيل: إنه مما استنبطوه واستخرجوه باجتهادهم من الكتاب والسنة.

فَصْل:

وقد جاءت أحاديث تَنَازع الناس في صحتها، مثل قوله: (لا صلاة إلا بوُضُوء، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم اللّه عليه) ،فأما الأول: فهو كقوله: (لا صلاة إلا بطهور) وهذا متفق عليه بين المسلمين؛ فإن الطهور واجب في الصلاة، فإنما نفى الصلاة لانتفاء واجب فيها، وأما ذكر اسم اللّه _ تعالى _ على الوضوء، ففي وجوبه نزاع معروف، وأكثر العلماء لا يوجبونه، وهو مذهب مالك، وأبي حنيفة، والشافعي، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، اختارها الخَرْقِي وأبو محمد وغيرهما. والثاني: يجب وهو قول طائفة من أهل العلم. وهو الرواية الأخرى عن أحمد، اختارها أبو بكر عبد العزيز، والقاضي أبو يعلى وأصحابه. وكذلك قوله: (لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد) رواه الدارقطني، فمن الناس من يضعفه مرفوعًا ويقول: هو من كلام علي _ رضي اللّه عنه _ ومنهم من يثبته كعبد الحق.

وكذلك قوله: (لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل) قد رواه أهل السنن. وقيل: إن رفعه لم يصح، وإنما يصح موقوفًا على ابن عمر أو حفصة، فليس لأحد أن يثبت لفظا عن الرسول، مع أنه أريد به نفي الكمال/ المستحب، فإن صحت هذه الألفاظ دلت قطعًا على وجوب هذه الأمور، فإن لم تصح فلا ينقض بها أصل مستقر من الكتاب والسنة، وليس لأحد أن يحمل كلام اللّه ورسوله على وفق مذهبه، إن لم يتبين من كلام اللّه ورسوله ما يدل على مراد اللّه ورسوله، وإلا فأقوال العلماء تابعة لقول اللّه ـ تعالى ـ ورسوله صلالله عليه وسلم ليس قول اللّه ورسوله تابعًا لأقولهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت