فإذا كان في وجوب شيء نزاع بين العلماء، ولفظ الشارع قد اطرد في معنى، لم يجز أن ينقض الأصل المعروف من كلام اللّه ورسوله بقول فيه نزاع بين العلماء. ولكن من الناس من لا يعرف مذاهب أهل العلم، وقد نشأ على قول لا يعرف غيره فيظنه إجماعًا، كمن يظن أنه إذا ترك الإنسان الجماعة وصلى وحده برئت ذمته إجماعًا، وليس الأمر كذلك، بل للعلماء قولان معروفان في إجزاء هذه الصلاة، وفي مذهب أحمد فيها قولان؛ فطائفة من قدماء أصحابه _ حكاه عنهم القاضي أبو يعلى في شرح المذهب، ومن متأخريهم كابن عقيل وغيره _ يقولون: من صلى المكتوبة وحده من غير عذر يسوغ له ذلك، فهو كمن صلى الظهر يوم الجمعة، فإن أمكنه أن يؤديها في جماعة بعد ذلك فعليه ذلك، وإلا باء بإثمه، كما يبوء تارك الجمعة بإثمه، والتوبة معروضة. وهذا قول غير واحد من أهل العلم، وأكثر الآثار المروية عن السلف من الصحابة والتابعين تدل على هذا.
وقد احتجوا بما ثبت عنه صلالله عليه وسلم، أنه قال: (من سمع النداء/ ثم لم يجب من غير عذر، فلا صلاة له) ،وأجابوا عن حديث التفضيل بأنه في المعذور الذي تباح له الصلاة وحده، كما ثبت عنه أنه قال: (صلاة الرجل قاعدًا على النصف من صلاة القائم، وصلاة المضطجع على النصف من صلاة القاعد) ، والمراد به المعذور، كما في الحديث: أنه خرج وقد أصابهم وَعْكُ، وهم يصلون قعودًا، فقال ذلك.
ولم يجوز أحد من السلف صلاة التطوع مضطجعًا من غير عذر، ولا يعرف أن أحدًا من السلف فعل ذلك، وجوازه وجه في مذهب الشافعي، وأحمد، ولا يعرف لصاحبه سلف صدق، مع أن هذه المسألة مما تعم بها البلوى؛ فلو كان يجوز لكل مسلم أن يصلي التطوع على جنبه، وهو صحيح لا مرض به، كما يجوز أن يصلي التطوع قاعدًا وعلى الراحلة، لكان هذا مما قد بينه الرسول صلالله عليه وسلم لأمته، وكان الصحابه تعلم ذلك، ثم مع قوة الداعي إلى الخير لابد أن يفعل ذلك بعضهم، فلما لم يفعله أحد منهم، دل على أنه لم يكن مشروعًا عندهم، وهذا مبسوط في موضعه.
والمقصود هنا أنه ينبغي للمسلم أن يُقَدِّر قَدْرَ كلام اللّه ورسوله، بل ليس لأحد أن يحمل كلام أحد من الناس إلا على ما عرف أنه أراده، لا على ما يحتمله ذلك اللفظ في كلام كل أحد، فإن كثيرًا من الناس يتأول النصوص المخالفة لقوله؛ يسلك مسلك من يجعل التأويل كأنه ذكر ما يحتمله اللفظ، وقصده به دفع ذلك المحتج عليه بذلك النص وهذا خطأ، بل جميع ما قاله اللّه ورسوله/ يجب الإيمان به، فليس لنا أن نؤمن ببعض الكتاب ونكفر ببعض، وليس الاعتناء بمراده في أحد النصين دون الآخر بأولى من العكس، فإذا كان النص الذي وافقه يعتقد أنه اتبع فيه مراد الرسول، فكذلك النص الآخر الذي تأوله، فيكون أصل مقصوده معرفة ما أراده الرسول بكلامه، وهذا هو المقصود بكل ما يجوز من تفسير وتأويل عند من يكون اصطلاحه تغاير معناهما، وأما من يجعلهما بمعنى واحد، كما هو الغالب على اصطلاح المفسرين، فالتأويل عندهم هو التفسير. وأما التأويل في كلام اللّه ورسوله، فله معنى ثالث غير معناه في اصطلاح المفسرين، وغير معناه في اصطلاح متأخري الفقهاء والأصوليين؛ كما بسط في موضعه.
والمقصود هنا أن كل ما نفاه اللّه ورسوله من مسمى أسماء الأمور الواجبة، كاسم الإيمان، والإسلام، والدين، والصلاة، والصيام، والطهارة، والحج، وغير ذلك، فإنما يكون لترك واجب من ذلك المسمى، ومن هذا قوله تعالى: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65] ،فلما نفى الإيمان حتى توجد هذه الغاية، دل على أن هذه الغاية فرض على الناس، فمن تركها كان من أهل الوعيد، لم يكن قد