وكذلك إذا قلنا: الكتاب، والسنة، والإجماع، فمدلول الثلاثة واحد، فإن كل ما في الكتاب فالرسول موافق له، والأمة مجمعة عليه من حيث الجملة، فليس في المؤمنين إلا من يوجب اتباع الكتاب، وكذلك كل ما سنه الرسول صلالله عليه وسلم فالقرآن يأمر باتباعه فيه، والمؤمنون مجمعون على ذلك، وكذلك كل ما أجمع عليه المسلمون، فإنه لا يكون إلا حقًا موافقًا لما في الكتاب والسنة، لكن المسلمون يتلقون دينهم كله عن الرسول، وأما الرسول فينزل عليه وحي القرآن، ووحي آخر هو الحكمة، كما قال صلالله عليه وسلم: (ألا إني أوتِيتُ الكتابَ وِمْثَله معه) .
وقال حسان بن عطية: كان جبريل ينزل على النبي صلالله عليه وسلم بالسنة فيعلِّمه إياها كما يعلمه القرآن. فليس كل ما جاءت به السنة يجب أن يكون مفسرًا في القرآن، بخلاف ما يقوله أهل الإجماع، فإنه لابد أن يدل عليه الكتاب والسنة، فإن الرسول هو الواسطة بينهم وبين اللّه في أمره ونهيه، وتحليله وتحريمه، والمقصود ذكر الإيمان.
ومن هذا الباب قول النبي صلالله عليه وسلم: (لا يُبْغِض الأنصارَ رجل يؤمن باللّه واليوم الآخر) . وقوله: (آية الإيمان حُبُّ الأنصار، وآية النفاق بُغْضُ الأنصار) . فإن من علم ما قامت به الأنصار من نصر اللّه ورسوله من أول/ الأمر. وكان محبًا للّه ولرسوله، أحبهم قطعًا، فيكون حبه لهم علامة الإيمان الذي في قلبه، ومن أبغضهم لم يكن في قلبه الإيمان الذي أوجبه اللّه عليه.
وكذلك من لم يكن في قلبه بغض ما يبغضه اللّه ورسوله من المنكر الذي حرمه اللّه ورسوله من الكفر والفسوق والعصيان، لم يكن في قلبه الإيمان الذي أوجبه اللّه عليه، فإن لم يكن مبغضًا لشيء من المحرمات أصلا، لم يكن معه إيمان أصلًا _ كما سنبينه إن شاء اللّه تعالى _ وكذلك من لا يحب لأخيه المؤمن ما يحب لنفسه، لم يكن معه ما أوجبه اللّه عليه من الإيمان، فحيث نفى اللّه الإيمان عن شخص، فلا يكون إلا لنقص ما يجب عليه من الإيمان، ويكون من المعرضين للوعيد، ليس من المستحقين للوعد المطلق.
وكذلك قوله صلالله عليه وسلم: (من غَشَّنا فليس مِنَّا، ومن حمل علينا السلاح فليس مِنَّا) ، كله من هذا الباب، لا يقوله إلا لمن ترك ما أوجب اللّه عليه، أو فعل ما حرمه اللّه ورسوله، فيكون قد ترك من الإيمان المفروض عليه ما ينفي عنه الاسم لأجله، فلا يكون من المؤمنين المستحقين للوعد، السالمين من الوعيد. وكذلك قوله تعالى: {وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَاتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [النور: 47: 51] .
فهذا حكم اسم الإيمان إذا أطلق في كلام اللّه ورسوله، فإنه يتناول فعل الواجبات، وترك المحرمات، ومن نفى اللّه ورسوله عنه الإيمان، فلابد أن يكون قد ترك واجبًا أو فعل محرمًا، فلا يدخل في الاسم الذي يستحق أهله الوعد دون الوعيد، بل يكون من أهل الوعيد.
وكذلك قوله تعالى: {حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ} [الحجرات: 7]
قال محمد بن نصر المروزي: لما كانت المعاصي بعضها كفر، وبعضها ليس بكفر، فرق بينها، فجعلها ثلاثة أنواع: نوع منها كفر، ونوع منها فسوق وليس بكفر، ونوع عصيان وليس بكفر ولا فسوق، وأخبر أنه كَرَّهها كلها إلى المؤمنين، ولما كانت الطاعات كلها داخلة في الإيمان، وليس فيها شيء خارج عنه، لم يفرق بينها فيقول: حبب إليكم الإيمان والفرائض وسائر الطاعات؛ بل أجمل ذلك فقال: (حّبَّبّ إلّيًكٍمٍ الإيمّانّ) . فدخل في ذلك جميع الطاعات؛ لأنه قد حبب