إلى المؤمنين الصلاة والزكاة، وسائر الطاعات حب تديّن؛ لأن اللّه أخبر أنه حبب ذلك إليهم، وزينه في قلوبهم؛ لقوله: {حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ} ويكرهون جميع المعاصي؛ الكفر منها والفسوق، وسائر المعاصي، كراهة تدين؛ لأن اللّه أخبر أنه كره ذلك إليهم. ومن ذلك قول رسول اللّه صلالله عليه وسلم: / (من سَرَّتْه حَسَنتُه، وساءته سيئته، فهو مؤمن) ؛لأن اللّه حبب إلى المؤمنين الحسنات، وكره إليهم السيئات.
قلت: وتكريهه جميع المعاصي إليهم، يستلزم حب جميع الطاعات؛ لأن ترك الطاعات معصية؛ ولأنه لا يترك المعاصي كلها إن لم يتلبس بضدها، فيكون محبًا لضدها وهو الطاعة، إذ القلب لابد له من إرادة، فإذا كان يكره الشر كله، فلابد أن يريد الخير. والمباح بالنية الحسنة يكون خيرًا، وبالنية السيئة يكون شرًا، ولا يكون فعل اختياري إلا بإرادة؛ ولهذا قال النبي صلالله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (أحب الأسماء إلى اللّه عبد اللّه وعبد الرحمن، وأصدق الأسماء حارث وهمَّام، وأقبحها: حَرْبٌ وَمُرَّة) .
وقوله: (أصدق الأسماء حارث وهمام) ؛ لأن كل إنسان همام حارث، والحارث الكاسب العامل، والهمام الكثير الهم _ وهو مبدأ الإرادة _ وهو حيوان، وكل حيوان حساس متحرك بالإرادة، فإذا فعل شيئًا من المباحات؛ فلابد له من غاية ينتهي إليها قصده، وكل مقصود إما أن يقصد لنفسه، وإما أن يقصد لغيره، فإن كان منتهى مقصوده ومراده عبادة اللّه وحده لا شريك له، وهو إلهه الذي يعبده لا يعبد شيئًا سواه، وهو أحب إليه من كل ما سواه، فإن إرادته تنتهي إلى إرادته وجه اللّه، فيثاب على مباحاته التي يقصد الاستعانة بها على الطاعة، كما في الصحيحين عن النبي صلالله عليه وسلم أنه قال: (نَفَقَة الرجل على أهله يحتسبها صدقة) . وفي الصحيحين عنه أنه قال لسعد بن أبي وقاص ـ لما /مرض بمكة وعاده ـ: (إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه اللّه إلا ازددت بها درجة ورفعة، حتى اللُّقْمَة ترفعها إلى في امرأتك) . وقال معاذ بن جبل لأبي موسى: إني أحتسب نَوْمَتِي كما أحتسب قَوْمَتِي. وفي الأثر: نوم العالِم تسبيحٌ.
وإن كان أصل مقصوده عبادة غير اللّه، لم تكن الطيبات مباحة له؛ فإن اللّه أباحها للمؤمنين من عباده، بل الكفار وأهل الجرائم والذنوب وأهل الشهوات، يحاسبون يوم القيامة على النعم التي تنعموا بها، فلم يذكروه ولم يعبدوه بها، ويقال لهم: {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ} [الأحقاف: 20] ،وقال تعالى: {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} [التكاثر: 8] أي: عن شكره، والكافر لم يشكر على النعيم الذي أنعم اللّه عليه به فيعاقبه على ذلك، واللّه إنما أباحها للمؤمنين، وأمرهم معها بالشكر، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلّهِ} [البقرة: 172] . وفي صحيح مسلم عن النبي صلالله عليه وسلم أنه قال: (إن اللّه ليرضى عن العبد يأكل الأكْلَةَ فيحمده عليها، ويشرب الشَّرْبَةَ فيحمده عليها) . وفي سنن ابن ماجه وغيره: (الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر) .
وكذلك قال للرسل: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا} [المؤمنون: 51] ، وقال تعالى: {أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ} [المائدة: 1] ، وقال الخليل: {وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} قال الله تعالى: {وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [البقرة: 126] . فالخليل إنما دعا بالطيبات للمؤمنين خاصة، واللّه إنما أباح بهيمة الأنعام لمن حرم ما حرمه اللّه من الصيد وهو محرم، والمؤمنون أمرهم أن يأكلوا من الطيبات ويشكروه ولهذا ميز _ سبحانه وتعالى _ بين خطاب الناس مطلقًا وخطاب المؤمنين فقال: يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلًا طَيِّبًا وَلاَ