فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 48

يذكرني هذان التخريجان بقاعدةٍ في الرياضيات مفادها أنه إذا كان"أ"أكبر من"ب"، و"ب"أكبر من"ج"، فإن"أ"سيكون أكبر من"ج". وبتأمل العديد من التخاريج يمكن القول بأن علم التخريج من رياضيات الفقه.

ب سئل محمد بن مرزوق رحمه الله عن الكاغد الرومي هل يجوز استعماله والنسخ فيه أم لا [1] ؟، فأجاب جوابًا طويلًا في حوالي أربعٍ وثلاثين صفحةً [2] فيه فوائد جمةٌ دسمةٌ فيما يتعلق بموضوعنا، وهذا سرد لبعضها:

• ذكر رحمه الله أن هذه المسألة لم يجد فيها نصًا بعد البحث، فيستخرج حكمها من مقتضى نصوص المالكية، وهذا تخريج صريح للفروع على الفروع، ومن ذلك النصوص العامة التي تقتضي الاختلاف في حكم الكاغد الرومي بين الطهارة والنجاسة؛ وخرَّج ذلك على قولين مختلفين لمالك: أحدهما في المدونة حكم فيه بعدم جواز الوضوء بسؤر النصراني، والآخر في العُتبية حكم فيه بالجواز.

• صرح رحمه الله بأن قياس الفرع على الفرع ليس متفقًا على بطلانه بل مختلفٌ في صحته، ومَن تتبع كثيرًا من أقاويل أصحاب مالك التي يقيسونها على أصوله وجدها من نوع هذا القياس، ولابن القاسم من ذلك في المدونة كثيرٌ، وقد يكون هناك إشارةٌ لهذه الأقيسة في قوله صلى الله عليه وسلم:"العُلمَاء وَرَثَة الأَنبياء، لَمْ يُوَرِّثُوا دِينارًا ولا دِرهمًا، وإنما وَرَّثُوا العِلْم" [3] ، قلت: فكأني به يريد أن يقول إن المجتهد عندما يخَرِّج على فرع إمامه يكون بذلك محصلًا لإرثه منه قياسًا على الطريقة التي ورث بها الإمام من النبي صلى الله عليه وسلم.

• قام رحمه الله بتخريج فروعٍ على فروعٍ يمكن أن نقول عنه أنه مركبٌ، جزؤه الأول يشمل تخريجه على فرعٍ لابن القاسم حين قال:"استدلالنا من نمط ما وقع لابن القاسم في كتاب الطهارة من المدونة"، والجزء الثاني متعلقٌ بتخريج ابن القاسم

(1) سمَّى ابن مرزوق هذه الفتوى- في آخرها-:"تقرير الدليل الواضح المعلوم, على جواز النسخ في كاغد الروم".

(2) المعيار المعرب، مرجع سابق، 1/ 73 - 107.

(3) أخرجه أبو داود في سننه 5/ 485، وابن ماجه في سننه 1/ 81، والترمذي في سننه 5/ 48؛ وصححه الألباني رحمه الله في صحيح الجامع الصغير وزيادته 2/ 1079.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت