الصفحة 12 من 43

وقد سُمِّيَ عِرْقُ الشجَرِ بذلك، والرصائعُ ما يُرَصَّعُ به من جَوْهَرٍ وغيرِه. يقالُ: تاجٌ مرَصَّعٌ، وسيفٌ مُرَصَّعٌ، أيْ مُحَلًّى بالرصائعِ، وهي حَلَقٌ يُحَلَّى بها. الواحدةُ رَصيعةٌ. وقيلَ المرادُ بالرصائعِ هنا السُّيُورُ التي يُزَيَّنُ بها القَوْسُ.

هَتُوفٌ يَجوزُ أنْ يكونَ خَبرًا لِمُبتدأٍ محذوفٍ، أيْ هي هَتوفٌ، ويَجوزُ أنْ يكونَ نَعتًا لصَفراءَ، ومِن الْمُلْسِ:"مِن"يَقَعُ في الكلامِ على أَوْجُهٍ: ابتداءُ الغايةِ، كقولِك: سِرْتُ مِن دِمشقَ إلى مكةَ، والتبعيضُ كقولِك: شَرِبْتُ مِن الماءِ، وتكونُ للبَدَلِ كقولِه تعالى: {وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنكُمْ مَلاَئِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ} أيْ بَدَلًا مِنكم. وكذلك قولُه: {أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ} وكقولِ الشاعرِ:

فلَيْتَ لَنا مِن ماءِ زَمْزَمَ شَرْبَةً مُبَرَّدَةً باتَتْ على طَهَيَانِ

وتُزادُ في النفيِ، كقولِك: ما جاءني مِن أحَدٍ، وتُكْسَرُ نُونُ مِن في كلِّ مَوْضِعٍ لَقِيَها ساكنٌ، إلا مع لامِ التعريفِ أينَ وُجِدَتْ كهذا البيتِ، ومنه قولُه عزَّ مِن قائلٍ: {وَمِنَ النَّاسِ} {وَمِنَ اللَّيْلِ} {وَمِنَ الْإِبِلِ} إلى غيرِ ذلك، والغرَضُ مِن ذلك تحريكُ الساكنِ تَوَصُّلًا إلى النطْقِ بالساكنِ الآخَرِ، والقياسُ يَقتضِي التحريكَ بأيِّ حركةٍ كانت، وإنما فُتِحَتْ هنا فِرارًا مِن تَوَالِي كَسرتينِ فيما يَكْثُرُ استعمالُه كيَاءَيْنِ، والياءانِ إذا تَوَالَتَا تُقْلَبانِ، ولهذا لم تَقَعَا أوَّلَ كلمةٍ أصْلِيَّتَيْنِ فاءً وعينًا، إلا شاذًّا لا يُعْتَدُّ به، مِثلُ يَيْسَرُ والماضِي يَسِرَ، وإحداهما زائدةٌ للمضارَعَةِ، والغرَضُ يَحْصُلُ بالفتْحِ مع خِفَّتِه، فحَرَّكُوهُ بالفتْحِ ليَكْثُرَ في كلامِهم ما كانَ خَفِيفًا، ويَقِلَّ ما كان ثَقيلًا، ولم يُجِيزُوا في نونِ"مِن"معَ الألفِ واللامِ إلاَّ الفتْحَ، إلا شاذًّا، فإنْ دَخَلَتْ على ما أوَّلُه هَمْزَةُ وَصْلٍ، وليس في المصاحَبَةِ لامُ التعريفِ كُسِرَتْ فتقولُ: مِنِ ابْنِكَ بكسْرِ النونِ، وفي الحديثِ: (( وَشَقَقْتُ لَهَا اسْمًا مِنِ اسْمِي ) )بكَسْرِ نونِ مِن، وهذه الروايةُ هي المحفوظةُ، وهي التي يَنبغِي ألاَّ يُعْدَلَ عنها.

وكُسِرَتْ نونُ عن مع الألِفِ واللامِ، كقولِه تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ} و {عَنِ الْيَتَامَى} {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى} إلى نظائِرِه لأنه لم يَتوالَ كَسرتانِ، ولم يُحْفَظْ فتْحُ نونِ مِن مع غيرِ الألفِ إلاَّ نَادِرًا، كما جاءَ كسْرُ نونِ مِن مع الألِفِ واللامِ نَادِرًا.

ومَوْضِعُ مِن الْمُلْسِ رفْعٌ نَعْتٌ لِهَتوفٍ، أيْ هَتوفٌ مَلساءُ، ويَجوزُ أنْ يكونَ حالًا مِن الضميرِ في هَتوفٍ، والْمَتون جَرٌّ بالإضافةِ والإضافةُ لفْظِيَّةٌ، أي مِن الْمُلْسِ مُتُونُها، إنْ لم يُرِدْ بالْمُتونِ القوَّةَ، ويَزِينُها رَصائعُ جُملةٌ نَعْتٌ لصَفراءَ، ويَجوزُ جَعْلُها حَالًا مِن الضميرِ في الجارِّ والمجرورِ، ويَجوزُ أنْ يكونَ حالًا مِن الضميرِ في الْمُتونِ، ورَصائِعُ غيرُ مُنْصَرِفٍ؛ لأنه جَمْعٌ، والجمْعُ مِن حيثُ هو جَمْعٌ عِلَّةٌ، وكونُه لا نَظيرَ له في الآحادِ عِلَّةٌ أُخرى فيُؤَكِّدُ ذلك معنى الجمْعِ فيه، فقامَ مَقامَ عِلَّةٍ ثانيةٍ، وقد نِيطَتْ في مَوْضِعِ رفْعٍ، صِفةٌ لرصائعَ، أيْ معَلَّقَةٌ عليها، ومِحْمَل معطوفٌ على رَصائعَ.

إذا زَلَّ عنها السهْمُ حَنَّتْ كَأَنَّهَا ... مُرَزَّأَةٌ عَجْلَى تَرِنُّ وتُعْوِلُ

زَلَّ السهْمُ خَرَجَ منها. وحَنَّتْ صَوَّتَتْ، وكذلك حَنَّتِ الناقةُ إلى وَلَدِهَا أيْ صَوَّتَتْ في نِزَاعِها إليه، والْمُرَزَّأَةُ التي تَعتادُها الرَّزَايَا.

والمعنى أنَّ هذه القَوْسَ كَثيرةُ التصويتِ، لكثرةِ الرمْيِ عنها، هذا مرادُه إنْ شاءَ اللهُ تعالى.

وعَجْلَى مُسْرِعَةٌ، وتَرِنُّ تُصَوِّتُ، مأخوذٌ مِن الرَّنَّةِ، وهي الصوتُ، وتُعْوِلُ تَرْفَعُ صوتَها بالبكاءِ، ويُقالُ: ما له مِن القومِ مُعْوِلٌ، والاسمُ العِوَلُ, قالَ تَأَبَّطَ شَرًّا:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت