الصفحة 2 من 43

بِسْمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ

سُبحانَكَ اللهمَّ وبحمْدِكَ، مُعْرِبَ الأفهامِ، بقَيْدِ الإفهامِ، مُرَصِّعَ جَواهرِ البيانِ بقَيْدِ التِّبيانِ لا الإعجامِ، مطْلِعَ كُنوزِ القرآنِ العظيمِ، بفهْمِ العربيَّةِ والبيانِ العَميمِ، تَنَزَّهَ عمومُ صِفاتِكَ عن الحالِ والتمييزِ، وتَقَدَّسَ كُنْهُ جلالِكَ عن الإدراكِ بلْ إلى التعجيزِ.

وأَشهَدُ أنْ لاَّ إلهَ إلاَّ اللهُ وَحْدَه لا شَريكَ له، شَهادةَ عامِلٍ مُعَلَّقٍ، وأَصْلِيٍّ لا مُلْحَقٍ، وأَشْهَدُ أنَّ سَيِّدَنا محمَّدًا عبدُه ورسولُه، وصاحبُ الفصْلِ والوصْلِ، صَلَّى اللهُ عليه، ما تَقَدَّمَ الفعْلُ على فاعِلِه، وعُطِفَ معمولٌ على عامِلِه.

قالَ الشيخُ الإمامُ الأوحَدُ، شيخُ الإسلامِ، أستاذُ الزمانِ، فخْرُ خَوَارِزْمَ، أبو القاسمِ، محمودُ بنُ عمرَ الْخَوارِزْمِيُّ الزَّمخشريُّ ـ رَضِيَ اللهُ تعالى عنه ـ: هذه نُكتة قَذَفَتْها خواطِرُ خَاطِرِي, وفائدةٌ جَرَّدَتْهَا نَواظِرُ ناظِرِي، وعِقْدٌ تَوسَّطَ بينَ دُرَرِ الجواهِرِ، ورَوْضٌ تبَسَّمَ بينَ الزهورِ النواضِرِ، وسَبْكٌ لم يُنْسَجْ على مِنوالِه فيُقالَ قد سُبِقَ إليه، وزَرْكَشٌ قد نُظِمَ بينَ اليَواقيتِ, فكُلُّ عالِمٍ يُعَرِّج عليه, غاصَ لها الخاطِرُ في بَحْرِ الأفكارِ فاستخْرَجَ دُرَرَها، وتاهَ الناظِرُ في بِكْرِ الأفكارِ فاستحضَرَ صُوَرَها، مِن كُلِّ غَريبةٍ كلَّ حديدُ النظَرِ عن تَقَرُّرِها، ومَلَّ مَزيدُ الفكْرِ عن تَدَبُّرِها. تَعِبَتْ فيه قَريحةُ القرائحِ، وتاهَتْ في مَيادِينِه قانِصَةُ السوانِحِ، جَعَلْتُها على شرْحِ قَصيدةِ الشَّنْفَرَى الموسومةِ بلاميَّةِ العرَبِ، تُحفةً أَتْحَفْتُ بها الْخَزانةَ السَّعيدِيَّةَ والحضرةَ العِزِّيَّةَ، ذِي الآلاءِ المتظاهِرَةِ والنِّعَمِ الوافرةِ، تَنتهِي الْمَفاخِرُ في العلومِ إليه، وتُثْنَي الْخَناصِرُ في الآدابِ عليه، المستنْبِطِ لنتائجِ القرائحِ الصافيةِ, المستخْرِجِ لذخائرِ المبهمَاتِ الغامضةِ, المستَتِمِّ لخبايَا الأسرارِ الكامنةِ، المحرِّكِ لنوازِعِ الخواطِرِ الساكنةِ، المستولِي على جوامعِ الْحِكَمِ بالتوقيرِ لأهلِها والتعظيمِ، والتقريبِ والتكريمِ، وإحرازِ الكتُبِ المؤلَّفَةِ فيها، وإعزازِ أربابِها ومُصَنِّفِيهَا، حتى فاقَ الوَرَى, وحازَ المدَى, وصارَ الأُسْوَةَ المقتَدَى, بحيث يَلْزَمُ كلَّ ذي علْمٍ أنْ يَؤُمَّ قَصْدَه, وأقولُ:

بالسعْدِ أَضْحَى الْمَجْدُ مَحْرُوسَ العُلاَ فحَمَى الرئاسةَ منه طَوْدٌ رَاسِي

يَهْوَى الْمَعالِي مُولَعًا بوصالِها ... وأَفاضَ غامِرَ بذلِه في الناسِ

راضَ الخطوبَ الصُّمَّ بعدَ جِمَاحِها وأَلانَ مِن قَلْبِ الزمانِ القاسِي

وأَعادَ نُورَ الحقِّ في مِشْكَاتِه ... وأقامَ وزْنَ العدْلِ بالقِسطاسِ

أَطالَ اللهُ بَقاءَه، ما صانَتِ العاريةُ المستعيرَ، ولَزِمَتِ الياءُ التصغيرَ.

وخِطَابِي لِمَنْ نَشَأَ في علْمِ الإعرابِ, وحقَّقَ في مَيادينِ أفكارِه بالعجَبِ منه والإطرابِ، وسَرَدَ علْمَيِ المعانِي والبيانِ، وعرَفَ التحقيقَ فيهما مِن التبيانِ، وطالَعَ أساسَ البلاغةِ، وعرَفَ بَراعةَ اليَراعةِ، واللهَ أَسألُ العوْنَ فيما قَصَدْتُ، والمَغْفِرَةَ على ما عَوَّلْتُ، بِمَنِّهِ وكَرَمِه.

الشَّنْفَرَى هو العظيمُ الشَّفَتينِ، وقَبيلتُه الأَزْدُ، وكانَ مِن العَدَّائِينَ، وبه يُضْرَبُ المثَلُ فيُقالُ: أعْدَى مِن الشَّنْفَرَى، وغيرُه مِن العَدَّائِينَ هو أسَدُ بنُ جابِرٍ ـ وهو الذي كان أَمْسَكَ الشنْفَرَى مِن بني سَلاَمَانَ ـ وعمرُو بنُ بَرَّاقٍ، وتَأَبَّطَ شَرًّا، وسُلَيْكُ بنُ السُّلَكَةِ.

فهؤلاءِ لم تَلْحَقْهُم الخيلُ، قالَ:

أَقِيمُوا بَنِي أُمِّي صُدورَ مَطِيِّكُمْ فإني إلى قومٍ سِواكُمْ لأَمْيَلُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت