الصفحة 3 من 43

أصْلُ أَقِيمُوا: أَقْوِمُوا، ومَاضِيهِ أقامَ، وعَيْنُه واوٌ، لقولِك فيه: أَقُومُ، فاسْتُثْقِلَتِ الكسرةُ على الواوِ، فنُقِلَتْ إلى القافِ، ثم قُلِبَتِ الواوُ ياءً لسكونِها وانكسارِ ما قَبْلَها، وهو فِعْلُ أَمْرٍ مَبْنِيٌّ في الأصْلِ على السكونِ، وما يُبْنَى منه على حَركةٍ فلِعِلَّةٍ أوْجَبَتْ بِناءَه عليها.

وذهَبَ قومٌ إلى أنه مُعْرَبٌ بالجزْمِ، واتَّفَقُوا على أنَّ فعْلَ الأمْرِ للغائبِ، نحوَ لْيَقُمْ، ولْيَذْهَبَ، مَجزومٌ باللامِ الداخلةِ عليه، فهو مُعْرَبٌ اتِّفاقًا، ودليلُ البناءِ، أنَّ الأصلَ في الأفعالِ البناءُ، فهي محكومٌ عليها به، إلاَّ أنْ يَقومَ دليلٌ على إعرابِ شيءٍ منها، فيكونَ إخراجًا لها عن أصْلِها، ولم يُعْرَبْ منها سِوَى المضارِعِ، لشَبَهِهِ بالاسمِ، وهو ما كان في أوَّلِه إحدى الزوائدِ الأربعِ، فيُحْكَمُ عليه بالإعرابِ ما دامَ وَصْفُ المضارَعَةِ باقيًا، وذلك إذا كانت زائدةٌ مِن الزوائدِ الأربعِ مَوجودةً في أوَّلِه، فمتى زَايَلَتْه، زالَ شَبَهُه بالاسمِ، فيَعودُ إلى أصْلِه مِن البِناءِ، وأيضًا فإنه لا يَحْتَمِلُ معانيَ يُفَرِّقُ الإعرابُ بينَها.

والإعرابُ في الأصْلِ إنما جاءَ لهذا عندَ الْمُحَقِّقِينَ، وقالَ الآخَرونَ: ما فيه اللامُ مُعْرَبٌ، فيُعْرَبُ ما لا لامَ فيه لتقديرِ اللامِ، كما قيلَ: محمَّدٌ تَفْدِ نفْسَك، أيْ: لِتَفْدِ نفْسَك، وحَرْفُ المضارَعَةِ أيضًا مقَدَّرٌ كالمثالِ المذكورِ، ولا تَعويلَ على هذا القولِ؛ فإنَّ الحذْفَ مِن الشيءِ لا يوجِبُ تَغييرَ الصيغةِ، بل يُحْذَفُ ما يُحْذَفُ، ويَبْقَى ما يَبْقَى بعدَ الحذْفِ على حالِه، كقولِك: ارْمِ. فإنَّ الأصلَ إثباتُ الياءِ، وبعدَ حذْفِها بَقِيَ ما كانَ على ما كان، وهذا مَعدومٌ في فعْلِ الأمرِ. ألاَ ترى أنك إذا حذَفْتَ التاءَ مِن تَضْرِبُ، لا تقولُ: ضْرِبْ زَيدًا، بل تَعْدِلُ إلى صِيغةٍ أُخرى هي اضْرِبْ.

وأمَّا البيتُ فالأصْلُ تُفْدِي على الخبرِ، وإنما حُذِفَتِ الياءُ للضرورةِ.

وبَنِي مَنصوبٌ، والناصِبُ له الفعلُ المحذوفُ، أو حرْفُ النداءِ على اختلافٍ فيه، وحرْفُ النداءِ محذوفٌ, والداعِي إلى حذْفِه إرادةُ الاختصارِ، مع بقاءِ المعنى. والمعتبَرُ لجوازِ الحذْفِ مَوجودٌ، وهو كَوْنُه لا يَصْلُحُ أنْ يكونَ وصْفًا لـ"أَيّ"، إذ الأصْلُ في قولِك: يا رجُلُ أَقْبِلْ، يأيُّها الرجُلُ أقْبِلْ، فلَمَّا حَذَفُوا أيُّها، لم يَحْذِفوا حرْفَ النداءِ، لئلاَّ يَجتمِعَ حَذفانِ، ولم يكنِ الأصْلُ في قولِك: يا بَنِيَّ، يا أيُّها بَنِيَّ، فإذا حُذِفَ حرفُ النداءِ، لم يَجتمِعْ حَذفانِ، وإنما نُصِبَ المضافُ ولم يُبْنَ كما بُنِيَ المفرَدُ، وإنْ وافَقَه في كونِه مَقصودًا بالنداءِ، ووَاقِعًا موقِعَ الضميرِ كالمفرَدِ؛ لأنَّ الإضافةَ توجِبُ احتياجَ المضافِ إلى المضافِ إليه، فلو بُنِيَ المضافُ دونَ المضافِ إليه، لكانَ مُنْفَرِدًا عنه بالبناءِ، وخَرَجَ أنْ يكونَ الاسمانِ كالاسمِ الواحدِ، فوَجَبَ أنْ يَخْرُجَ عن أصلِ بابِ النداءِ, ولأنَّ المضافَ والمضافَ إليه اسمانِ حَقيقةً، فلم يُمكنْ إيقاعُهما موقِعَ الْمُضْمَرِ، لأنه مفرَدٌ. واختُلِفَ في المضافِ إلى ياءِ المتكلِّمِ نحوَ: غُلامِي، وأُمِّي، ونظائرِهما، فذَهَبَ قومٌ إلى أنها لا مُعْرَبَةٌ ولا مَبنيَّةٌ. وآخَرونَ إلى إعرابِها. وآخَرونَ إلى بِنائِها.

واحتَجَّ الأوَّلونَ بأنَّ الإعرابَ الاختلافُ، ولا اختلافَ هنا, وهذا مما يُوجِبُ البناءَ، ولم تُشْبِهْ ما تُبْنَى لأجْلِه، وهذا يَقتضِي الإعرابَ، فوجَبَ الوقْفُ.

واحتَجَّ مَن قالَ بالإعرابِ، أنَّ الإعرابَ أصْلٌ في الأسماءِ، فإذا عَرَضَ ما يَمنَعُ ظُهورَه، قُدِّرَ كالمقصورِ، والحركةُ في مِثلِ هذا مستَثْقَلَةٌ كاستثقالِها على الاسمِ المنقوصِ.

واحتَجَّ مَن قالَ بأنه مَبْنِيٌّ، أنَّ حركتَه صارَتْ تابعةً للياءِ، فتَعذَّرَتْ دَلالتُها على الإعرابِ، وإذا صارَ تابعًا في الحركةِ، صارَ تابعًا في البناءِ للمضمَرِ، ولأنه خَرَجَ عن نظائرِه مِن المضافاتِ، إذ ليس منها ما يَتْبَعُ غيرَه، والعاملُ في المضافِ إليه الجزءُ المضافُ، وهو الاسمُ الأوَّلُ, ولَمَّا كانَ هو الجارَّ له، وثَبَتَ أنَّ الاسمَ لا يَعملُ إلا بالحمْلِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت