الصفحة 4 من 43

على غيرِه، كان مَحمولًا على جارٍّ وذلك الجارُّ لا يكونُ إلا حَرْفًا، وهو ما ناسَبَ وُقوعَه في ذلك الْمَوْضِعِ وهو"مِن"أو"اللامُ"فنابَ الاسمُ عنه، وليس ثَمَّ حَرْفٌ تَضَمَّنَ الاسمُ معناه، إذ لو كان كذلك لكانَ الاسمُ مَبْنِيًّا.

وأمَّا الفاءُ فإنها تُنَبِّهُ على أنَّ ما قبلَها عِلَّةٌ لِمَا بعدَها، ويُؤَيِّدُ ذلك وقوعُها في جوابِ الشرْطِ، وقد تَأْتِي رابطةً لِمَا بعدَها بما قَبْلَها, والأشبَهُ استعمالُها هنا بمعنى التَّعليقِ، وإنْ لم تُوجَدْ صِيغتُه، إذ المعنى: إنْ أَقَمْتُمْ على ما أَرى مِن إهمالِكم أَمْرِي، وغَفْلَتِكم عَنِّي، مِلْتُ إلى غَيْرِكم.

والأصْلُ في إِنِّي إِنَّنِي. فحُذِفَتِ النونُ الثانيةُ؛ لأنك لو حَذَفتَ الأُولَى، لاحتَجْتَ إلى تَسكينِ الثانيةِ ليَصِحَّ إدغامُها، فيَحْصُلُ عندَ ذلك حذْفٌ وتَسكينٌ وإدغامٌ، ولا كذلك الثانيةُ، فكانتْ أَوْلَى بالحذْفِ.

وإنما دَخَلَتِ اللامُ المفتوحةُ في خَبَرِ إنَّ، لأنَّ مَوْضِعَها الأصليَّ تأكيدُ المبتدأِ، كقولِك: لَزيدٌ قائمٌ، فجَمَعُوا بينها وبين إنَّ، طَلَبًا لزيادةِ التوكيدِ، ومَوْضِعُها الأَصْلِيُّ قَبْلُ؛ لأنها استَحَقَّتِ التصَدُّرَ قبلَ إنَّ، فإذا دخَلَتْ إنَّ في الكلامِ، وجَبَ إبقاؤُها على ما كانتْ عليه، ولذلك سُمِّيَتْ لامَ الابتداءِ، وإنما لم يَجمَعُوا بينَهما، لئلا يَتوالَى حَرْفَا تأكيدٍ، ولم يُدْخِلُوها على اسمِ إنَّ مُقَدَّمًا، حَذَرًا مِن الفَصْلِ بينَها وبينَ مَعْمُولَيْها؛ لأنَّ عَمَلَها ضعيفٌ، ولأنَّ اللامَ إذا وَلِيَتْ (عَلِمْتُ) عَلَّقَتْهَا عن العمَلِ. فتَعليقُها الآنَ بطريقِ الأَوْلَى، وتأخيرُ اللامِ أَوْلَى مِن تَأخيرِ إنَّ لأنَّ (اللامَ) مُؤَثِّرَةٌ في المعنى و (إنَّ) مُؤَثِّرَةٌ في اللفْظِ والمعنى، فكانتْ أحَقَّ بالتقديمِ, واختُصَّتْ (إنَّ) بدخولِ اللامِ في خَبَرِها، لبقاءِ معنى الابتداءِ بعدَ دُخولِها.

وأمَّا لكِنَّ، فلَمْ تَدخُلْ اللامُ في خَبَرِها في الاختيارِ، وما يُرْوَى:

*ولَكِنَّنِي في حُبِّهَا لعَمِيدُ*

فشاذٌّ، لا يُعَوَّلُ عليه، ويُؤَكِّدُ زَوالَ معنى الابتداءِ بدُخولِ لكنَّ، أنها موضوعةٌ للاستدراكِ، وإنَّ للتحقيقِ، والابتداءُ لا استدراكَ فيه، وإنما كُسِرَتْ إذا دَخَلَتِ اللامُ في خَبَرِها؛ لأنها في مَوْضِعِ المبتدأِ، ولو حَذَفْتَهَا، لكانَ ما بعدَها مَرفوعًا بالابتداءِ.

وأمَّا سِوَى، فظَرْفُ مكانٍ في الأصْلِ، ويَدُلُّ على ذلك قولُه تعالى: {مَكَانًا سِوَى} فإنها قد وَقَعَتْ صِفةً لمكانٍ. وكذلك وَصْلُهم الموصولَ بها، واستقلالُ الصلةِ بها ـ أيضًا ـ تقولُ: جاءني الذي سِوَى زيدٍ. كما يُقالُ: الذي عندَ زيدٍ، وقالَ تعالى: {مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللهِ بَاقٍ} وهي هنا بمعنى"غير"، صفةٌ لقومٍ. ولم يَمْنَعْ مِن ذلك إضافتُها إلى المعرِفَةِ، لتقديرِ الانفصالِ فيها، وإذا كانتْ سِوَى بمعنى"غير"ففيها ثلاثُ لُغاتٍ: إنْ ضَمَمْتَ السينَ، أو كَسَرْتَ، قَصَرْتَ، وإنْ فتَحْتَ مَدَدْتَ، تقولُ: سُواكَ، وسِواكَ، وسَوَاؤُكَ, أيْ: غيرُك، وفي كلِّ أحوالِها، ما بعدَها مَجرورٌ بإضافتِه إليها. وقد يَقعُ سِوى فاعلًا، قالَ:

ولم يَبْقَ سِوَى العُدوانِ ...

وإنما اسْتُعْمِلَتْ ظَرْفًا لأنها تُؤَدِّي معنَى بَدَلٍ. وبَدَلٌ جارٍ مَجْرَى مكانٍ، تقولُ: هذا مكانُ هذا، أيْ بَدَلُه، فهكذا تُقَارِبُ الكَلِمَ، وتُنَاسِبُها.

وأَمْيَلُ بمعنى مائِلٍ، وأَفْعَلُ بمعنى فاعِلٍ كثيرٌ، كما جاءَ أكْبَرُ بمعنى كبيرٍ، وأَوْحَدُ بمعنى واحِدٍ، فليس المرادُ بـ"أَمْيَلُ"المبالَغَةَ، لأنه يُؤَدِّي إلى اشتراكِهم في الْمَيْلِ، ولم يَكنْ كذلك، وأَمْيَلُ خَبرُ إِنَّ, وإلى تَتعلَّقُ بأَميلَ، لِمَا فيه مِن معنى الفِعْلِ، ولامُ التوكيدِ لا تَمنَعُ ذلك، والنِّيَّةُ به التقديمُ، وقد جاءَ مِثلُ ذلك في الكتابِ العزيزِ: {وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت