الصفحة 5 من 43

ثم قالَ:

فقَدْ حُمَّتِ الْحَاجاتُ والليلُ مُقْمِرٌ وشُدِّتْ لِطِيَّاتُ مَطَايَا وأَرْحُلُ

حُمَّتْ فِعْلٌ لِمَا لم يُسَمَّ فاعلُه، والأصْلُ حَمَمَ. إلا أنهم اسْتَثْقَلوا الجمْعَ بينَ الْمِثْلَيْنِ، ومَأْخَذُهم في ذلك أنَّ الناطِقَ إذا نَطَقَ بحرْفٍ، ثم نَطَقَ بِمِثْلِه، فقد عادَ إلى الْمَوْضِعِ الذي رَفَعَ لسانَه عنه، مِن غيرِ فاصِلٍ بينَهما وفي ذلك كُلْفَةٌ, كالْمُقَيَّدِ الذي يَتحرَّكُ ولا يُزايِلُ مَوْضِعَه، فسُكِّنَ الحرْفُ الأوَّلُ، ولم تُنْقَلْ حَركتُه إلى ما قَبْلَه، لأنَّ أوَّلَه متحرِّكٌ، ولم يَحتمِلْ حركةً أُخرى، فلَمَّا بنَيْتَه لِمَا لم يُسَمَّ فاعلُه، ضَمَمْتَ أوَّلَه على الأصْلِ، ويَجوزُ كَسرُه بأنْ تُدْغِمَ، أيْ تَنْقُلَ حَركةَ الْمُدْغَمِ إليه، إذ الأصْلُ حَمَمَ.

والحكمةُ في تَجهيلِ الفاعلِ، شَرَفُه، وخِسَّةُ المفعولِ، وبالعكْسِ، أو غيرُ ذلك، وغُيِّرَ لفْظُ الفعْلِ، ليَدُلَّ على تَغييرِه، على رأيِ مَن زَعَمَ أنَّ ما لم يُسَمَّ فاعِلُه، مُغَيَّرٌ عن فِعْلٍ سُمِّيَ فاعلُه.

ومِنهم مَن يَرى أنه أصْلٌ بنَفْسِه، مُرْتَجَلُ الصيغةِ، ارتجالَ ما سُمِّيَ فاعلُه، ومَوضوعٌ مَوْضِعَه، فإذا كان ثُلاثيًّا صَحيحًا، ضُمَّ أوَّلُه وكُسِرَ ثانيهِ، تَمييزًا له عن فِعْلٍ سُمِّيَ فاعِلُه.

والتغييرُ قد يكونُ بزيادةٍ ونُقصانٍ وتغييرِ حركةٍ، فكانَ بهذا الآخِرِ أَوْلَى، إبقاءً لصِيغةِ الفعْلِ على أصْلِها, وتَغييرُ آخِرِ الفعْلِ مُمْتَنِعٌ، لأنه قد يُبْنَى للمفعولِ مِن الأفعالِ ما هو مُعْرَبٌ، وذلك هو الفعْلُ المضارِعُ؛ كقولِه تعالى: {يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ} وآخِرُ المعرَبِ حرْفُ إعرابِه وهو مَحَلُّ حركةِ الإعرابِ، فكيفَ يُغَيَّرُ؟ ولم يُغَيَّرْ أوْسَطُه فقط، لأنه إنْ ضُمَّ، ففي الأفعالِ المسندَةِ إلى الفاعلِ ما هو مَضمومُ الوسَطِ، وكذا إنْ فُتِحَ أو كُسِرَ فيُؤَدِّي إلى اللَّبْسِ بينَ الْمُغَيَّرِ وغيرِ المغيَّرِ, وتَغييرُ الأوَّلِ أَوْلَى، ولم يُحَرَّكْ بالفتْحِ، لأنها حركتُه الأصليَّةُ، فوَجَبَ أنْ يُغَيَّرَ إلى غيرِها، ولم يُغَيَّرْ بالكسْرِ لأنَّ الكسْرَ عندَهم أخو الفتْحِ، فالكسرةُ أخْتُ الفتحةِ، فيكونُ الكسْرُ كلا تَغييرٍ، وكانَ التغييرُ بالضمِّ أَوْلَى، لأنَّ الاسمَ قد يُغَيَّرُ آخِرُه مِن نَصْبٍ إلى ضَمٍّ، فيُغَيَّرُ أوَّلُ الفعْلِ، مِن فتْحٍ هو نظيرُ النصْبِ, إلى ضَمٍّ هو نَظيرُ الرفْعِ.

حُمَّتْ: قُدِّرَتْ، أيْ تَهَيَّأَتْ وحَضَرَتْ، ومُقْمِرٌ: أيْ مُضيءٌ يُقالُ: أَقْمَرَتْ لَيْلَتُنا، أيْ أَضاءَتْ, وشُدَّتْ: قُوِّيَتْ وأُوثِقَتْ، وفي مُضَارِعِه لُغتانِ: يَشُدُّ ويَشِدُّ، والطِّيَّةُ: الحاجةُ، بكسْرِ الطاءِ.

قالَ الخليلُ: الطِّيَّةُ تكونُ مَنْزِلًا، وتكونُ مُنْتَأًى، تَقولُ: مَضى لطِيَّتِه، أي لنِيَّتِه التي انْتَوَاهَا، وطِيَّةٌ بَعيدةٌ: أيْ شاسِعَةٌ، وأَرْحُلُ: جَمْعُ رحْلٍ، وهو رحْلُ البَعيرِ، أصْغَرُ مِن القَتَبِ.

والمعنَى: انْتَبِهُوا مِن رَقْدَتِكم، فهذا وقتُ الحاجةِ، ولا عُذْرَ لكم، فإنَّ الليلَ كالنهارِ في الضوءِ, والآلةُ حاضرةٌ عَتيدةٌ، وكُسِرَتِ التاءُ مِن حُمَّتْ لالتقاءِ الساكِنَيْنِ، والليلُ مُقْمِرٌ، جُملةٌ مِن مُبتدأٍ وخبرٍ، مستأنَفَةٌ لا مَوضِعَ لها مِن الإعرابِ، ويَجوزُ أنْ يكونَ حالًا، والأوَّلُ أجْوَدُ، إذ ليس مقصودُه أنَّ الحاجاتِ قد حَضَرَتْ في هذه الحالةِ، وإنما مَقصودُه الإخبارُ بأنْ لا عُذْرَ لهم، ليَجِدُّوا في أُمورِهم، وأيضًا، فإنَّ قولَه: فقَدْ حُمَّتْ لا مَوْضِعَ له، وهذا مَعطوفٌ عليه، فله حُكْمُه, وهو عَطْفُ جُملةٍ على جُملةٍ.

وفي الأرضِ مَنْأًى للكريمِ عن الأَذَى ... وفيها لِمَنْ خافَ القِلَى مُتَعَزَّلُ

الْمَنْأَى والْمُنْتَأَى: الموضِعُ البعيدُ, قالَ النابغةُ:

فإنَّك كالليلِ الذي هو مُدْرِكِي ... وإنْ خِلْتُ أنَّ الْمُنْتَأَى عنكَ واسِعُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت