فهرس الكتاب
إذا وَرَدَتْ أَصْدَرْتُها ثُمَّ إنها تَثُوبُ فتَأتِي مِن تُحَيْتٍ ومِن عَلُ
وَرَدَتْ بمعنى حَضَرَتْ، والوِرْدُ خِلافُ الصدْرِ. وأَصْدَرْتُها أيْ: رَدَدْتُها, وتَثوبُ تَرْجِعُ.
والمعنى أنها إذا عاوَدَتْنِي, يَعنِي الْهُمومَ، ردَدْتُها ثم تَأتِي مِن كلِّ جِهاتِي لكَثْرَتِها فلا أَستطيعُ رَدَّها.
وإذا ظَرْفٌ، والعاملُ فيها جوابُها, وهو: أَصْدَرْتُها، وموضِعُ"وَرَدَتْ"جَرٌّ بالإضافةِ, والضميرُ في"وَرَدَتْ"و"أَصْدَرْتُها"للهمومِ، وإنما كُسِرَتْ"إنَّ"بَعْدَ"ثم"؛ لأنَّ الكلامَ الأوَّلَ تَمَّ، ثم استَأْنَفَ كلامًا آخَرَ، وكلُّ مَوْضِعٍ وقَعَتْ فيه"إنَّ"وكان مُستَأْنَفًا كَسَرْتَها، فمِن ذلك قولُه عَزَّ مِن قائلٍ: {ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ} و"تَثوبُ"خبرُ"إنَّ", والفعلُ بعدَه معطوفٌ عليه، و"تُحَيْتٍ"تَصغيرُ"تَحتَ"، وإنما صَغَّرَه لأنَّ مُرادَه أنها قَريبةٌ مِنِّي لا تَبعدُ إذا أَصْدَرْتُها، و"عَلُ"ظَرْفٌ أيضًا؛ لأنَّ المعنى تَأتِي مِن أسفلَ وأعلى، و"عَلُ"مأخوذٌ مِن العُلُوِّ، يُستعملُ على وُجوهٍ؛ عَلِ بكسْرِ اللامِ، أيْ مِن مكانٍ عالٍ، قالَ امرؤُ القَيْسِ:
كجُلمودِ صَخْرٍ حَطَّهُ السيْلُ مِن عَلِ
وعَلَ بفتْحِ اللامِ، قالَ أبو النَّجْمِ:
باتَتْ تَنوشُ الْحَوْضَ نَوْشًاَ مِن عَلاَ
وعَلُ بضمِّ اللامِ قالَ الشاعِرُ:
في كِناسٍ ظَاهِرٍ يَسْتُرُهُ مِن عَلُ الشِّفَّانِ هُدَّابُ الفَنَنْ
و"مِن"لابتداءِ غايةِ الإتيانِ، أيْ ابتداءُ الإتيانِ مِن هذا الْمَوْضِعِ.
فإِمَّا تَرَيْنِي كابنةِ الرمْلِ ضَاحِيًا على رِقَّةٍ أَحْفَى ولا أَتَنَعَّلُ
ابنةُ الرَّمْلِ قيلَ: هي الحيَّةُ. وقيلَ: هي الوَحشيَّةُ، و"ضاحيًا"بَارزًا، ومنه قولُه عليه السلامُ: (( اضْحَ لِمَنْ أَحْرَمْتَ لَهُ ) )تقولُ: ضَحِيتُ للشمسِ ضَحَاءً ممدودٌ، إذا بَرَزَتْ، وضَحَيَتُ بفتْحِ الحاءِ مثلُه، و"على رِقَّةٍ"يَعني: رقَّةِ حالٍ.
إمَّا: إن الشرطيَّةُ زِيدَتْ عليها ما، ولا تَمنَعُ عمَلَها، كما لم تَمنعْه لا، لأنها إنما جاءتْ للتوكيدِ، وتَرَيْنِي مِن رُؤيةِ العينِ، وهو مَجزومٌ بإنْ الشرطيَّةِ، وقد جاءَ مِثلُ هذا في الكتابِ العزيزِ كثيرٌ، بنونٍ مشَدَّدَةٍ للتأكيدِ، فتكونُ النونُ كذلك، ولم نَرَهُ في القرآنِ إلا على ذلك، ومنه قولُه سُبحانَه: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى} . {فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا} والنونُ في"تَرَيِنِّي"نونُ الوِقايةِ وليستْ نونَ الضميرِ.
وحُذِفَتْ النونُ بالجازِمِ، وكابنةِ الرمْلِ حالٌ مِن المفعولِ في"تَرَيْنِي"، وهي الياءُ, أيْ: تَرَيْنِي مُشْبِهًا ابنةَ الرمْلِ، و"ضاحيًا"حالٌ أيضًا مِن الياءِ في"تَرَيْنِي"، وعلى رِقَّةِ حالٍ أيضًا مِن الضميرِ في"ضَاحِيًا"ويَجوزُ أنْ يكونَ حالًا مِن الضميرِ في"أَحْفَى"، ولا أَتَنَعَّلُ تَوكيدُ قولِه: أَحْفَى، إذ مِن المعلومِ أنَّ مَن كان حافِيًا كان غيرَ مُتَنَعِّلٍ.
فإِنِّي لَمَوْلَى الصبرِ أَجتابُ بَزَّهُ على مِثلِ قلبِ السِّمْعِ والحزْمَ أَنْعَلُ
مولى الصبرِ: وَلِيُّه، يُريدُ أنا القائمُ به, وكلُّ مَن قامَ بأمْرِ أحدٍ أو وَلِيَه فهو وَلِيُّه، والصبرُ حَبْسُ النفْسِ عن الْجَزَعِ، وقد صَبَرَ فلانٌ عندَ المصيبةِ، وصَبَرْتُه حَبَسْتُه، وفي حديثٍ عن النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في رجُلٍ أمْسَكَ رَجلًا وقَتَلَه آخَرُ: (( اقْتُلُوا الْقَاتِلَ وَاصْبِرُوا الصَّابِرَ ) )أيْ احْبِسُوا الذي حبَسَه للموتِ حتى يَموتَ، وأَجتابُ: أَلْبَسُ, والْبَزُّ مِن الثيابِ أَمْتِعَةُ البَزَّازِ، يُريدُ أَنِّي وَلِيُّه ألْبَسُ ثَوبَه، والسِّمْعُ سَبُعٌ مرَكَّبٌ، وهو ولَدُ الذئبِ مِن الضَّبُعِ، وفي الْمَثَلِ: (أَسْمَعُ مِن سِمْعٍ) قالَ الشاعرُ: