الصفحة 32 من 43

والشرْطُ مُوَطِّئٌ للقَسَمِ، وفي الحقيقةِ القسمُ المقدَّرُ مع جوابِه جوابُ الشرْطِ كقولِك: إنْ جاءَ زيدٌ واللهِ لأُكْرِمَنَّهُ، والذي يَقعُ مِن هذا النمَطِ مُوَطِّئًا للقَسَمِ، يَأتي باللامِ غالِبًا، وكأنه لَمَّا حَذَفَ القسَمَ، وموضوعُه لتأكيدِ ما يُخْبَرُ به، أَتَى باللامِ في الشرْطِ للتأكيدِ عِوَضًا مِن الحذْفِ، ومنه قولُه سُبحانَه وتعالى: {وَلَئِن جَاءَ نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ} و {لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ} وقد جاءَ بغيرِ لامٍ قالَ تعالى: {وَإِن لَّمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ} و"ما"في"لَمَا"يَجوزُ أنْ تكونَ مَصدريَّةً، أيْ لاغتباطِها، ويَجوزُ أنْ تكونَ بمعنى الذي، أي الذي اغتَبَطَتْ به، وعلى كِلاَ الوَجهينِ"ما"مُبتدأٌ، وأطولُ خبرُه، وإذا كانت بمعنى الذي، كان العائدُ مَحذوفًا، تقديرُه: للذي اغْتَبَطَتْ به مِن الشَّنْفَرَى، أو بسببِ الشَّنْفَرَى، و"قبلُ"مَبْنِيَّةٌ لِمَا تَقَدَّمَ.

طَريدَ جِناياتٍ تَياسَرْنَ لَحْمَهُ عَقيرتُه لأَيِّهَا حُمَّ أوَّلُ

الطريدُ المبعَدُ, و: تَياسَرْنَ لِحْمَهُ، مأخوذٌ مِن: يَسَرَ القومُ الْجَزورَ، إذا اجْتَزَرُوها واقْتَسَمُوها، وعَقيرتُه لَحْمُه، ومنه يُقالُ للرجُلِ الشريفِ: عَقيرةٌ, إذا قُتِلَ.

والمعنى أنَّ الْجِناياتِ أبْعَدَتْهُ، فليتَ شِعرِي بأَيِّها تُؤْخَذُ نفْسُه أوَّلًا.

"طَرِيدَ"خَبَرُ مُبتدأٍ محذوفٍ، تقديرُه الشَّنْفَرَى، وتَياسَرْنَ صفةٌ لِجِناياتٍ, أي: مُقتسَمَةٌ، وعَقيرتُه مُبتدأٌ، ولأَيِّهَا الخبرُ، ويَجوزُ أنْ يكونَ لأيها مَعمولَ حُمَّ، والمجموعُ خبرُ المبتدأِ, ويَجوزُ أنْ يكونَ"حُمَّ"حالًا مِن"أيّ"، والعاملُ وما يَتعلَّقُ به، أي والعائدُ, وهي الهاءُ, ضميرُ الْجِناياتِ، والضميرُ في"حُمَّ"أيضًا عائدٌ إلى الْجِناياتِ، ولم يُؤَنَّثْ حَمْلًا على لفْظِ"أيّ"؛ لأنها بِمَنْزِلَةِ البعْضِ، أيْ بعضِ الْجِناياتِ، وأمَّا أوَّلُ فمَبْنِيٌّ على الضمِّ، وموضِعُه نَصْبٌ، أيْ لأيِّها قُدِّرَتْ أو عُجِّلَتْ أوَّلُ شيءٍ، وبُنِيَتْ على الضمِّ لقَطْعِها عن الإضافةِ، كقَبلُ وبعدُ.

تَنامُ إذا ما نَامَ يَقْظَى عيونُها حِثَاثًا إلى مَكروهِه تَتغلْغَلُ

تَنامُ إشارةٌ إلى الْجِناياتِ، وعَبَّرَ بها عن مُسْتَحِقِّيهَا، يُريدُ أنَّ في حالةِ نومِهم عُيونَهم رَاصدةٌ لي وهم يَتغلغلونَ في طَلَبِ الْمَكيدةِ، تَتغلغَلُ, أي: تَتخَلَّلُ في أمورِ مَضَرَّتِي.

و"ما"زائدةٌ، و"إذا"ظَرْفٌ لـ"تَنامُ"، والضميرُ في"نامَ"للشَّنْفَرَى، ويَقْظَى حالٌ مِن الضميرِ في"تَنامُ"، أيْ تَنامُ مُستيقظةً، وعيونُها مُرتفعةٌ بـ"يَقْظَى"ارتفاعَ الفاعلِ بفعلِه، و"حِثاثًا"حالٌ مِن الضميرِ في"تَتغلغلُ"، أيْ تَتغلغلُ مُسرعةً إلى ما يَكْرَهُ. ويَجوزُ أنْ يكونَ حالًا مِن الضميرِ في"تَنامُ": و"تَتغلغلُ"على الوجهِ الآخَرِ حالٌ مِن الضميرِ في"حِثاثًا"، و"إلى"تَتعلَّقُ بـ"تَتغلغلُ"، ويَجوزُ تَعَلُّقُها بـ"حِثاثًا".

وإِلْفُ هُمومٍ ما تَزالُ تَعُودُه عِيادًا كحُمَّى الرِّبْعِ أو هي أثْقَلُ

الرِّبْعُ في الْحُمَّى أنْ تَأخذَ يومًا وتَدَعَ يَومينِ، ثم تَجيءَ في اليومِ الرابعِ، والمعنى أنَّ الهمومَ تَعتادُنِي كما تَعتادُ الْحُمَّى الرِّبْعُ.

وإلْفُ مَعطوفٌ على طَريدِ جِناياتٍ، و"ما تَزالُ تَعودُه"صِفةٌ لِهُمومٍ، أيْ ملازِمَةُ العَوْدِ إليه، وقيلَ: بكونِه صفةَ إلْفٍ، وحَسَّنَ ذلك عَوْدُ الضميرِ في"تَعُودُه"إليه، و"عِيادًا"منصوبٌ على المصدَرِ، كما يَقولُ: قامَ قِيامًا، وصامَ صِيامًا، وقيلَ: مَصدرٌ غيرُ جارٍ؛ لأن مَصدرَ: عادَ يَعودُ عَوْدٌ، وقالَ شيخُنا مُحِبُّ الدِّينِ ـ قَدَّسَ اللهُ رُوحَه ـ: الأَجْوَدُ أنْ يكونَ اسمًا للمَصْدَرِ وليس بِمَصدَرٍ، ويَعمَلُ عمَلَ المصدَرِ، كما عَمِلَ العَطَا عَمَلَ الإعطاءِ. فعلى هذا يكونُ مُضافًا إلى المفعولِ، وهو الْحُمَّى، والرِّبْعُ الفاعلُ. وقولُه: أو هي أَثْقَلُ، يُريدُ بل هي أَثقلُ، يَعنِي أنَّ الهمومَ عندَه أعْظَمُ شَأنًا مِن الْحُمَّى الرِّبْعِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت