فهرس الكتاب
على ما لم يُسَمَّ فاعله، تقول: زهِيتَ علينا يا رجُلُ تُزهَى، فأنت مَزهُوٌّ، أي تكبَّرتَ، ولا تقول: زَهَوتَ، فتجعل الفعل له؛ لأن الفعلَ إنما هو للشيء الذي يحمله على الزَّهو، كالمال والجمال والسلطان، وإنما يُفَسِّرُون زُهيِتَ بتكبَّرتَ مجازًا، وتفسيره: حُمِلتَ على التكبّر.
وقوله:"ليت شِعرِي مَن أباها"لك في خبر"ليت"مذهبان: إن شئتَ قلت: هو محذوفٌ لطُولِ الكلام، وتقديره: واقعٌ أو موجود، وأن شئتَ قلت: لمّا كان قوله"ليت شِعري"، مؤدِّيًا معنى ليتني أشعُر، استَغنى عن خبر، كما استَغنى المبتدأ في قولك: أقائمٌ أخواك، حيث أدَّى معنى يقُوم، وقوله:"من أباها"جملةُ ابتداء عَمِلَ في موضعِها المصدر، كأنه قال: ليت أن أشعُرَ أي الناسِ أباها.
وأمَّا قول القائل:
ليتَ شعرِي إذا القيامةُ قامت ... دُعِي بالحسابِ أينَ المصيرَا
وقبله:
خَمَّرَ الشَّيبُ لِمَّتِي تَخمِيرًا ... وَحَدَا بِي إلى القُبُورِ البَعِيرَا
فإن المصير منصوب بالمصدر، وأين: خبر مبتدأ محذوف، تقديره أين هو، وقد
[أمالي ابن الشجري: 1/ 46]
أساء بشيئين، بحذفِ المبتدأ، وبالفَصلِ بين شِعرِي ومعموله بأين، وهو أجنبي، ولو أعطِي الكلامُ حقَّه قيل: ليت شعري المصير أين هو؟
وقوله:"خَمَّر الشَّيب لِمَّتِي"معناه غَطَّى سوادَها، ومنه الخِمارُ لتغطيته الوجه، والخمرُ لأنها تغطِّي العقل، والخَمَرُ: ما يُوارِي مِن الشَّجر، وعَنَى بالبعير عُمُرَه، كقولهم: مَن كان الليلُ والنهارُ مطيَّتَه أسرَعا به السَّير.
بيتٌ سُئلتُ عنه
غَيرُ مأسُوفٍ على زَمَن ... يَنقَضِي بالهَمِّ والحَزَنِ
فقيل: بم يرتفع"غير"فأقول: إن قوله:"مأسُوف"مفعول من الأسَف، وهو الحزن، وعلى"متعلِّقة به، كقولك: أسِفتُ على كذا أسَفًا، وحزِنتُ عليه حُزنًا، ولَهِفتُ عليه لَهَفًا، وأسِيتُ عليه أسًى، وموضع قوله:"بالهَمِّ" نصب كل الحال، والتقدير: ينقضي مَشُوبًا بالهمّ و"غير"رفع بالابتداء، ولما أضيفت إلى اسم المفعول، وهو مسند إلى الجار والمجرور، استغنى المبتدأ عن خبر، كما استغنى "قائمٌ ومضروبٌ"في قولك: أقائمٌ أخواك؟ وما مضروبٌ غلاماك، عن خَبرٍ، من حيث سدَّ الاسمُ المرفوعُ بهما مَسَدَّ الخبر؛ لأن"قائم ومضروب"قاما ومَقَامَ يقومُ ويَضرِبُ، فتنزَّل كلُّ واحدٍ منهما مع المرفوع به منزلةَ الجملة، وكذلك إذا أسندت اسم المفعول إلى الجار والمجرور سدَّ الجارُّ والمجرورُ مَسدَّ الاسم الذي يرتفع به، كقولك: أمحزونٌ"
[أمالي ابن الشجري: 1/ 47]
على زيد؟ وما مأسوفٌ على بكر، كما تقول في الفعل: أيُحزَنُ على زيد؟ وما يُؤسَفُ على بكر، فلما كانت"غير"للمخالفة في