الدُّرَرُ الْفَوَاخِر بِأَسَانِيدِ أَوَائِلِ الْكُتُبِ السِّتَّةِ وَالأَوَاخِر
-- الله - -
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَكْرَمَ أَهْلَ حِزْبِ الإِيْمَانِ وَوَصَلْ، وَنَزَّهَ أَعْمَالَهُمْ وَأَقْوَالَهُمْ عَنِ الشُّذُوذِ وَالْعِلَلْ، وَجَبَرَ ضَعِيفَهُمْ بِمَرَاسِيلِ جُودِهِ فَقَوِيَ واتَّصَلْ، وَعَضَلَ عَدُوَّهُمْ عَنْ أَذَاهُمْ فَضَعُفَ وَانْفَصَلْ. وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ الْفَرْدُ فِي الأَزَلْ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًَا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الْمَبْعُوثُ بِأَكْمَلِ الشَّرَائِعِ وَالْمِلَلْ، وَالْمَاحِي لِلْكُفْرِ وَمُعْضَلاتِ الْقُرُونِ الأُوَلْ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ مَا عَلا إِسْنَادٌ وَنَزَلْ، وَطَلَعَ نَجْمٌ وَأَفَلْ.
نَحْمَدُهُ عَلَى نِعَمِهِ الَّتِي أَجْزَلَتْ إِحْسَانَهَا، وَقَرَنَتْ بِالشُّكْرِ امْتِنَانَهَا، وَنَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ شَهَادَةً تُصَدِّقُ الْقُلُوبُ إِيْمَانَهَا، وَيَدَخِّرُ قَائِلُهَا إِلَى يَوْمِ الْفَزَعِ الأَكْبَرِ أَمَانَهَا، وَيَتَبَوَّأُ بِهَا فِي الدَّارِ الآخِرَةِ جِنَانَهَا، وَنَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًَا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الَّذِي أَظْهَرَ اللهُ تَعَالَى بِهِ الشَّرِيعَةَ الْمُطَهَّرَةَ وَأَبَانَهَا، وَشَرَّفَ هَذِهِ الأُمَّةَ وَرَفَعَ عَلَى كُلِّ الأُمَّمِ شَأْنَهَا، وَبَعَثَهُ رَحْمَةً إِلَى كَافَّةِ الْخَلْقِ فَأَوْضَحَ دَلِيلَ الْهِدَايَةِ وَبُرْهَانَهَا، وَأَطْفَأَ بِنُورِ إِرْشَادِهِ شَرَرَ الضَّلالَةِ وَنِيرَانَهَا، وَأَرْدَى بِدِينِهِ الْقَوِيْمِ مِلَلَ الْكُفْرِ وَالإِلْحَادِ وَأَدْيَانَهَا، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ مَا رَفَعَتْ مَآذِنُ التَّوْحِيدِ آذَانَهَا، وَأَقَامَ الْمُسْلِمُونَ مِنَ الصَّلَوَاتِ فَرَائِضَهَا وَأَرْكَانَهَا، صَلاةً دَائِمَةً يَحْمَدُونَ بِالأُجُورِ اقْتِرَانَهَا، وَرَضِيَ عَنْ آلِهِ وَصَحْبِهِ الَّذِينَ مَا مِنْهُمْ إِلاَّ مَنْ زَكَّا نَفْسَهُ وَصَانَهَا، وَسَلَكَ فِي صُحْبَتِهِ وَمَحَبَّتِهِ وَتَعْزِيرِهِ الطَّرِيقَةَ الْمُثْلَى فَأَحْسَنَ إِسْرَارَ أُمُورِهِ وَإِعْلانَهَا، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًَا كَثِيْرًَا.
وَبَعْدُ ..
فَإِنِّنِي مُذْ حُبِّبَ إِلَيَّ حِفْظُ حَدِيثِ الصَّادِقِ الْمَصْدُوقِ، لَمْ آلُ جَهْدًَا فِي تَدْرِيسِ أُصُولِهِ، وَتَخْلِيصِ صَحِيحِهِ مِنْ مَعْلُولِهِ وَمُنْقَطِعِهِ مِنْ مَوْصُولِهِ، وَلَمْ أَثْنِ عَنَانِي عَنِ الْجَرْي فِي مِضْمَارِ نَقَلَتِهِ، مَعَ فِرْسَانِ حَلَبَتِهِ، وَالْبَحْثِ عَنْ أَحْوَالِ حَمَلَتِهِ، وَالسَّعْيِ الْحَثِيثِ فِي سَمَاعِهِ وَقِرَاءتِهِ، اقْتِدَاءًَا بِأَئِمَّةِ شَرْعِنَا الْحَكِيمِ، وَعَمْلًا بِقَوْلِ نَبِيِّنَا الْكَرِيْمِ «نَضَّرَ اللهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًَا، فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَهُ، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ» .
وَمَنْ رُزِقَ السَّدَادَ وَالتَّوْفِيقَ، وَعَايَنَ الرَّشَادَ وَالتَّحْقيِقَ، بِالَغَ فِي اتِّبَاعِ السَّلَفِ الَّذِينَ هُمْ مَصَابِيحُ الدُّجَى، وَأَئِمَّةُ الْهُدَى، إِذْ اتِّبَاعُهُمْ فِي الْوَارِدِ مِنَ السُّنَنِ مِنْ أقوم الْمَنَاهِجِ، وَأَرْفَعِ الْمَدَارِجِ، وَأَقْوَى الْحُجَجِ، السَّالِمَةِ مِنَ الْعِوَجِ، وَمَا دَرَجُوا عَلَيْهِ هُوَ الْحَقُّ الَّذِي لا يَجُوز خِلافُهُ. فَهُمُ الأَئِمَّةُ الرُّفَعَاءُ، وَالسَّادَةُ الْفُهَمَاءُ، أَهْلُ الْفَضْلِ وَالْفَضِيلَةِ، وَذَوِي الْمَرَاتِبِ الرَّفِيعَةِ الْجَلِيلَةِ، الَّذِينَ حَفِظُوا عَلَى الأُمَّةِ أَحْكَامَ الرَّسُولِ، وَأَخْبَرُوا عَنِ أَنْبَاءِ التَّنْزِيلِ، وَأَثْبَتُوا نَاسِخَهُ وَمَنْسُوخَهُ، وَمَيَّزُوا مُحْكَمَهُ وَمُتَشَابِهَهُ، وَدَوَّنُوا أَقْوَالِ النَّبيِّ وَأَفْعَالَهُ، وَضَبَطُوا عَلَى اخْتِلافِ الأُمُورِ أَحْوَالَهُ، فِي يَقَظَتِهِ وَمَنَامِهِ، وَقُعُودِهِ وَقِيَامِهِ، وَمَلْبَسِهِ وَمَرْكَبِهِ، وَمَأْكَلِهِ وَمَشْرَبِهِ، وَحَفِظُوا مَنَاقِبَ صَحَابَتِهِ، وَمَآثِرَ عَشِيْرَتِهِ، وَسَطَّرُوا سِيَرَ الأَنْبِيَاءِ، وَمَقَامَاتِ الأَوْلِيَاءِ، وَاخْتِلافَ الْفُقَهَاءِ، وَلَوْلا عِنَايَةُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ بِضَبْطِ السُّنَنِ وَجَمْعِهَا، وَاسْتِنْبَاطِهَا مِنْ مَعَادِنِهَا وَالنَّظَرِ فِي طُرُقِهَا، لَبَطَلَتِ الشَّرِيعَةُ وَتَعَطَّلَتْ أَحْكَامُهَا، إِذْ كَانَتْ مُسْتَخْرَجَةً مِنَ الآثَارِ الْمَحْفُوظَةِ، وَمُسْتَفَادَةً مِنَ السُّنَنِ الْمَنْقُولَةِ. فَمَنْ تَعَلَّقَ بِسَبِيلِهِمْ فَالْحُجَّةَ الْوَاضِحَةَ سَلَكَ، وَبِالْعُرْوَةِ الْوُثَقَى اسْتَمَسَكَ، وَالْفَرْضَ الْوَاجِبَ أَدَّى وَأَقَامَ، وَوَجْهَ اللهِ تَعَالَى قَصَدَ وَرَامَ.
وَفِي مُقَدِّمَةِ «صَحِيحِ مُسْلِمٍ» عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ، فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ