وَقَالَ الإِمَامُ الْحَافِظُ أبُو طَاهِرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ السِّلَفِيُّ الأَصْفَهَانِيُّ الإِسْكَنْدَرِيُّ: «اعْلَمْ أَنَّ الإِجَازَةَ جَائِزَةٌ عِنْدَ فُقَهَاءِ الشَّرْعِ، الْمُتَصَرِّفِينَ فِي الأَصْلِ وَالْفَرْعِ، وَعُلَمَاءِ الْحَدِيثِ، فِي الْقَدِيْمِ وَالْحَدِيثِ قَرْنًا فَقَرْنَا، وَعَصْرًَا فَعَصْرَا، إِلَى زَمَانِنَا هَذَا، وَيُبِيحُونَ بِهَا الْحَدِيثَ، وَيُخَالِفُونَ فِيهِ الْمُبْتَدِعَ الْخَبِيثَ، الَّذِي غَرْضُهُ هَدْمُ مَا أَسَسَّهُ الشَّارِعُ، وَاقْتَدَى بِهِ الصَّحَابِيُّ وَالتَّابِعُ فَصَارَ فَرْضًَا وَاجِبًَا، وَحَتْمًَا لازِبًَا.
وَمَنْ رُزِقَ التَّوْفِيقَ، وَلاحَظَ التَّحْقيِقَ، مِنْ جَمِيعِ الْخَلْقِ بِالَغَ فِي اتِّبَاعِ السَّلَفِ الَّذِينَ هُمُ الْقدى، وَأَئِمَّةُ الْهُدَى، إِذْ اتِّبَاعُهُمْ فِي الْوَارِدِ مِنَ السُّنَنِ مِنْ أَنْهَجِ السُّنَنِ، وَأَوْقَى الْجُنَنِ، وَأَقْوَى الْحُجَجِ السَّالِمَةِ مِنَ الْعِوَجِ، وَمَا دَرَجُوا عَلَيْهِ هُوَ الْحَقُّ الَّذِي لا يَسُوغُ خِلافُهُ، وَمَنْ خَالَفَهُ فِفِي خِلافِهِ مَلامَةْ، وَمَنْ تَعَلَّقَ بِهِ فَالْحُجَّةَ الْوَاضِحَةَ سَلَكَ، وَبِالْعُرْوَةِ الْوُثَقَى اسْتَمَسَكَ، وَالْفَرْضَ الْوَاجِبَ اتَّبَعَ، وَعَنْ قَبُولِ قَوْلٍ لَنَا في قَوْلِ مَنْ لا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى وَفِعْلِهِ امْتَنَعَ، وَاللهُ تَعَالَى يَوَفِّقُنَا لِلإقْتِدَاءِ وَالاتِّبَاعِ، وَيُوَقِّفُنَا عَنِ الابْتِدَاءِ وَالإِبْتِدَاعِ، فَهُوَ أَرْحَمُ مَأْمُولٍ وَأَكْرَمُ مَسْؤُولٍ.
فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا وَتَقَرَّرَ، وَصَحَّ بِالْبُرْهَانِ وَتَحَرَّرَ، فَكُلُّ مُحَقِّقٍ يَتَحَقَّقُ وَيَتَيَقَّنُ أَنَّ الإِسْنَادَ رُكْنُ الشَّرْعِ وَأَسَاسُهُ، فَيَتَمَسَّكُ بِكُلِّ طَرِيقٍ إِلَى مَا يَدُومُ بِهِ دَرْسُهُ لا انْدِرَاسُهُ. وفِي الإِجَازَةِ كَمَا لا يَخْفَى عَلَى ذِي بَصِيْرَةٍ وَبَصَرٍ دَوَامُ مَا قَدْ رُوِيَ وَصَحَّ مِنْ أَثَرٍ وَبَقَاءُ بَهَائِهِ وَصَفَائِهِ، وَبَهْجَتِهِ وَضِيَائِهِ. وَيَجِبُ التَّعْوِيلُ عَلَيْهَا، وَالسُّكُونُ أَبَدًَا إِلَيْهَا، مِنْ غَيْرِ شَكٍّ فِي صِحَّتِهَا، وَرَيْبٍ فِي فُسْحَتِهَا، إِذْ أَعْلَى الدَّرَجَاتِ فِي ذَلِكَ السَّمَاعُ، ثُمَّ الْمُنَاوَلَةُ، ثُمَّ الإِجَازَةُ.
وَلا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَبْقَى كُلُّ مُصَنَّفٍ قَدْ صُنِفَ كَبِيْرٌ، وَمُؤَلَّفٌ كَذَلِكَ صَغِيْرٌ، عَلَى وَجْهِ السَّمَاعِ الْمُتَّصِلِ، عَلَى قَدِيْمِ الدَّهْرِ الْمُنْفَصِلِ، وَلا يَنْقَطِعُ مِنْهُ شَيْءٌ بِمَوْتِ الرُّوَاةِ، وَفَقْدِ الْحُفَّاظِ الْوُعَاةِ، فَيُحَتَاجُ عِنْدَ وُجُودِ ذَلِكَ إِلَى اسْتِعْمَالِ سَبَبٍ فِيهِ بَقَاءُ التَّأْلِيفِ، وَيَقْضِي بِدَوَامِهِ، وَلا يُؤَدِّي بَعْدُ إِلَى انْعِدَامِهِ. فَالُوُصُولُ إِذًَا إِلَى رِوَايَتِهِ بِالإِجَازَةِ فِيهِ نَفْعٌ عَظِيمٌ، وَرِفْدٌ جَسِيْمٌ، إِذْ الْمَقْصُودُ بِهِ إِحْكَامُ السُّنَنِ الْمَرْوِيَّةِ فِي الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ وَإِحْيَاءُ الآثَارِ عَلَى أتَمِّ الإِيْثَارِ، سَوَاءً كَانَ بِالسَّمَاعِ، أَوْ الْقِرَاءةِ، أَوْ الْمُنَاوَلَةِ، وَالإِجَازَةِ. لَكِنِ الشَّرْطُ فِيهِ الْمُبَالَغَةُ فِي الضَّبْطِ وَالإِتْقَانِ، وَالتَّوَقَّي مِنَ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ، وَأَنْ لا يُعَوِّلَ فِيمَا يَرْوِي عَنِ الشَّيْخِ بِالإِجَازَةِ إِلاَّ عَلَى مَا يُنْقَلُ مِنْ خَطِّ مَنْ يُوثَقُ بِنَقْلِهِ، وَيُعَوَّلُ عَلَى قَوْلِهِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ الْجُنُوحُ إِلَى التَّسْهِيلِ، الَّذِي هُوَ سَوَاءُ السَّبِيلِ، وَالْمَيْلُ إِلَى التَّرْخِيصِ لا الْمَنْعِ وَالتَّغْلِيظِ، الْمُؤَدِّيينَ إِلَى عَدَمِ التَّخْلِيصِ، أَخْذًَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى «وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» ، وَقَوْلِهِ «يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ» .
وَعَمَلًا بِمَا ذَكَرَهُ الْحَافِظُ السِّلَفِيُّ مِنْ هَذَا الدَّلِيلِ، وَإِحْيَاءًَا لِمَا انْدَرَسَ مِنْ مَسَالِكِ هَذِهِ السَّبِيلِ، فَقَدْ أَجَزْتُ:
الشَّيْخَ الْمُوَفَّقَ / غَازِيَّ بْنَ سَالِمِ بْنِ صَالِحٍ الْبَدَوِيَّ الْجُنَيْدِيَّ ااا أيَّدَهُ اللهُ بِتَوْفِيقِهِ.
بِجَمِيعِ مَا وَقَعَ لِي مِنَ الرِّوَايَاتِ وَالأَسَانِيدِ، الَّتِي تَضَمَّنَهَا هَذَا الثَّبَتُ الْمُخْتَصَرُ الْمُسَمَّى:
{الدُّرَرُ الْفَوَاخِرْ بِأَسَانِيدِ أَوَائِلِ الْكُتُبِ السِّتَّةِ وَالأَوَاخِرْ}
إِجَازَةَ مُكَاتَبَةٍ، وَمُشَافَهَةً، لِعِلْمِي بِاسْتِحْقَاقِهِ. كَمَا أَجَزْتُهُ أَنْ يَرْوِيَ عَنِّي مُصَنَّفَاتِي وَمَقَالاتِي الْمَذْكُورَةِ بِكِتَابِي {الإِلْمَامِ بِفَضَائِلِ الشَّامِ} ، وَذَلِكَ بِالشَّرْطِ الْمُعْتَبَرِ عِنْدَ عُلْمَاءِ الأَثَرِ، وَهُوَ التَّثَبُّتُ وَالضَّبْطُ وَالإِتْقَانُ لِمَا يَرْوِيهِ، وَأَنْ يَقُولَ: لا أَدْرِي فِيمَا لا يَدْرِيهِ.
وَأُوصِيهِ بِتَقْوَى اللهِ فِي سِرِّهِ وَعَلانِيَتِهِ، وَمَنْشَطِهِ وَمَكْرَهِهِ، وَأَنْ يَبْتَغِيَ بِعِلْمِهِ وَجْهَ اللهَ تَعَالَى وَالدَّارَ الآخِرَةِ، عَمَلًا بِقَوْلِهِ - عز وجل - {وَمَنْ أَرَادَ الآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًَا} ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى {قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى رَبِّ