فهرس الكتاب

الصفحة 107 من 150

واعلم أن هذا تهافت من ابن الأثير من وجهين:

أحدهما: أنه رجح فاعلًا، لعمومه في اللازم والعرضي، ثم أجاب هنا بمساواة فعيل له في ذلك.

الثاني: أن أمره في هذا الوجه الثاني آل إلى استواء فاعل وفعيل، وهو إنما نصب البحث على أبلغية فاعل، فما حصل له مراده من هذا الوجه، وكان ينبغي أن يقتصر

[الإكسير في علم التفسير: 261]

على الوجه الأول، وهذا يمكن أن يمشي حاله فيه، فإنه قصد من الوجه الثاني تمرين الناظر بإيراد السؤال والجواب، أو غير ذلك.

والذي عندي أن فعيلًا أبلغ، لأن العرب إذا أرادت أن تبالغ بلفظ، أحدثت فيه تغييرًا ما، إما في كمية حروفه، نحو: اعشوشب، أو في كيفية بنائه نحو: طهور وسبوع وقبول، والتغيير هاهنا إنما حدث في فعيل، إذ هو معدول عن مفعول، لا في فاعل؛ إذ هو باقٍ في بنائه على القياس، ويؤكد هذا أنهم يستعملون ذلك في مفردات اللغة أيضًا، فيقولون للغراب: أعور، مبالغة في وصفه بحدة البصر، فبالغوا في وصفه، بوصفه بضد وصفه.

لا يقال هذا في معنى الدعاء عليه، لبغضهم إياه، لأنا نقول خلاف الظاهر منهم والمنقول عن أهل اللغة، فكذا هاهنا، لما أرادوا المبالغة في فاعل، عدلوه إلى بناء ضده الذي هو المفعول. فتأمل هذا منصفًا، تجده صحيحًا حسنًا، والله أعلم.

النوع السابع عشر: في الاشتقاق

وهو افتعال من شققت العصا أو غيرها: إذا فرقت أجزاءها، لأن معنى الأصل الواحد، المشتق منه يتفرع على فروعه المشتقة، وهو اقتطاع أحد المعنيين من الآخر مع اشتراك لفظهما في الحروف الأصول.

ثم الحروف الأصول إن كانت في المشتق كثرتها في المشتق منه نحو: (ضرب وضارب واضطرب) -فإنها تميزت في جميع ذلك: الصاد ثم الراء ثم الباء،- فهو الاشتقاق الصغير، وإلا فهو الكبير.

أما الأول: فكاشتقاقنا من الأصل (س ل م) معنى السلامة في نحو: (سلم سالم، وسلمان، وسلمى، وسُليمى، والإسلام، والاستسلام) ، وهما الانقياد لطلب السلامة، و (السليم) بمعنى اللديغ، تفاؤلًا له بالسلامة.

ومن أمثلته (ح د د) معنى المنع في الحديد؛ لمنعه وصول السلاح، والحدّ

[الإكسير في علم التفسير: 262]

الشرعي، لمنعه من إتيان المعاصي، وحد الدار، والمعنى، لمنعه من خروج بعض المحدود عنه، ودخول غيره فيه، والحداد وهو البواب، وأيضًا كل صانع وتاجر، لمنعه صناعته وسلعته إلا مما يريد، ومن هذا نقول (سالمك سالم) (وحاربك محارب) (وهشمك هاشم) (ولواك لؤى) (وأعلى كعبك كعب) (وأناف بك عبد مناف) (وغلبك غالب) (وأعلاك عليّ) .

وفي الشعر:

وما زال معقولًا عقال عن الندى = وما زال محبوسًا عن الخير حابس

وقال آخر:

لقد عَلم القبائلُ أن قومي = لهم حدٌ إذا لبس الحديد

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت