فهرس الكتاب

الصفحة 129 من 150

فخاطبوا المؤمنين بقولهم: (آمنا) فدل على كذبهم، إذ لو صدقوا لأكدوا، كما قالوا لشياطينهم: (إنا معكم) . وكما قال المؤمنون: {إنا هدنا إليك} .

{ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون} .

ولهذا: {قالت الإعراب آمنا} قال: {قل لم تؤمنوا} .

بخلاف المؤمنين لما قالوا (إنا مؤمنون) فإنه أقرهم على ذلك، ولم يرد عليهم. وخاطبوا شياطينهم (بإنا معكم) فدل على صدقهم في ذلك، أو قوة الباعث عليه، كما قال الكفار مثلهم لرسلهم: {إنا كفرنا بما أرسلتم به وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب} .

قلت: والمدعى الاتفاقي أن صيغة (إنا معكم) آكد من صيغة (آمنا) أما الدلالة على صدقهم في الأولى، وكذبهم في الثانية، فليس لازمًا ولا مستفادًا من مجرد الصيغة، إذ ربما صدق المتكلم بالفعلية دون الاسمية المؤكدة.

وإنما حكم على الكفار بما ذكرناه من الصدق والكذب لقرينة نفاقهم، وإخبار الله بكذبهم عنهم، وإلا فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لابن صياد في جواب قوله: (اشهد بأني رسول الله، آمنت بالله، وأمر الله المؤمنين أن يقولوا آمنا بالله، سمعنا وأطعنا) . ونظائر كثيرة، فلو كان ذلك لازمًا للكذب أو دليلًا عليه لجرده مما قيل، وأمر به شرعًا.

ومن ذلك قوله تعالى لموسى وهارون: فقولا إنا رسولا رب العالمين * أن أرسل

[الإكسير في علم التفسير: 305]

معنا بني إسرائيل أمرهما بتأكيد إخبار فرعون برسالتهما، ليكون ذلك أوقع في نفسه ولم يأمرهما بتأكيد أمره بإرسال بني إسرائيل، بل أن يخرجا له الأمر في صورة السؤال؛ لئلا يستكبر وتأخذه العزة بالإثم، ويقول: أمرتماني أمرًا لازمًا جازمًا كأني معكما من آحاد الرعية، فيصر ويمتنع ويدل على هذا قوله تعالى: {فقولا له قولًا لينًا} . وعدم تأكيد الأمر، لميله من لين القول.

النوع الثالث والعشرون: في ورود الكلام بلام التأكيد

لأمر يعز وجوده، وفعل يعظم إحداثه كقوله تعالى: {أفرأيتم ما تحرثون} إلى قوله: {لو نشاء لجعلناه حطامًا} .

وقال في الماء: {لو نشاء جعلناه أجاجًا} بغير لام.

والفرق بينهما: أن صيرورة الماء ملحًا أسهل وأكثر من جعل الحرث حطامًا، إذ الماء العذب يمر بالأرض السبخة فيصير ملحًا، فالتوعد به لا يحتاج إلى تأكيد. بخلاف جعل الحرث حطامًا فإنه على خلاف العادة فاحتاج التوعد به إلى تأكيد وهذا كما أن الإنسان إذا توعد عبده بالضرب بالعصا، لم يحتج إلى تأكيد بيمين ولا غيرها، لجريان العادة واطرادها بذلك. وإذا توعده بالقتل بالكلية، احتاج إلى تأكيد عنده، لندوره وعدم اطراد العادة به.

وأيضًا فلم جعل الحرث حطامًا؟ قلت: للمادة والصورة.

وجعل الماء العذب أجاجًا؟ قلت للكيفية فقط، فهو أسهل وأيسر، وهو راجع إلى ما سبق.

[الإكسير في علم التفسير: 306]

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت