إذا تقرر هذا فموضوع هذا العلم، هو المعاني، لأنها هي التي تبحث فيه عن عوارضها اللاحقة لها، من تقديم وتأخير، وإضمار وتقدير، وإطناب وإيجاز، وكناية وألغاز، وغير ذلك من العوارض.
ومبادئه، هي: النظر في الألفاظ، وما يتعلق بها من خفتها وعذوبتها، وفي المعاني من سهولتها ورقتها، وسلاستها وحلاوتها، ونحو ذلك مما نذكر في أحكامه العامة والخاصة.
ومسائله، هي: تعلق النظر في تركيب المعاني، ونحوه مما يذكر في أحكامه الخاصة.
تعريفه: أنه علم يبحث فيه عن أحكام الألفاظ والمعاني بحيث يجعل لكل منها ما يقتضيه كيفية وكمية، ووضع يستحقه بمقتضى المناسبة العقلية، مثاله: قوله تعالى: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} لما كان المقصود الأهم ههنا تبيين تحقق نصرهم عليه تعالى، قدمه، وكان حقه التأخير، لكونه خبر كان، فهذا تقديم في الموضع بحسب المناسبة العقلية، ونظائره كثيرة تأتي إن شاء الله تعالى.
البحث الثاني
في بيان فضيلة هذا العلم وشرفه
وهو من وجوه:
أحدها قوله تعالى: {الرحمن (1) علم القرآن (2) خلق الإنسان (3) علمه البيان (4) الشمس والقمر بحسبان}
وجه دلالته أنه تعالى، أثنى على نفسه في معرض التمدح بفضل آيات عظيمة، وهي تعليم القرآن، وخلق الإنسان، وجري الشمس والقمر بحسبان، وسجود النجم والشجر، وما بعد ذلك من الآيات، وذكر جملتها تعليم البيان، فدل على أنه أثر شريف من آثار الله تعالى وعظيم آياته، قياسًا له على ما اكتنفه من الآيات قبله وبعده.
فإن قلت: يفتقر ثبوت هذا الدليل إلى بيان: أن البيان في هذه الآية هو الذي أنتم بصدد إثباته، وإلا فبتقرير أن لا يكون هو المراد، لأن يكون لكم في الآية حجة.
قلت: نعم. والدليل عليه أن الحسن البصري، قال: هو النطق والتمييز.
وقال محمد بن كعب: هو ما يقول، وما يقال له.
وقال يمان: هو الكتابة والخط.
وكل هذا راجع إلى ما قلناه، وما في معناه، ثم إن هذا موافق لظاهر اللفظ، وهو أولى من غيره.
الثاني: قوله تعالى: {أم اتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم بالبنين} إلى قوله تعالى: {أو من ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين} ، أيكون -سبحانه وتعالى- قول من نسبه إلى إنجاب البنات مستدلًا عليه بأن عدم الإبانة في الخصام صفة نقص، وهي قائمة بالبنات، ومن قامت به صفة النقص، لا يصلح أن يتخذه الناقصون عضدًا ومستندًا، فضلًا عن أكمل الأكملين.
الثالث: قول فرعون: {أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين} ، فجعل عدم البيان صفة نقص لا يعبأ بمن قامت، ووجه الحجة منه، أنه أدرك ذلك ببدهيته، ووافقه عليه أهل عصره، فدل على أنه بديهي متقرر في النفوس،