وأما المعاني، فهي: جمع معنى، وهو: مدلول اللفظ، والمراد بحسب قصد المتكلم، والأصل فيه كسر النون، وتشديد الياء، لأنه مشتق من عنيت الشيء - إذا أراد به تكلامك - أعنيه، وهو معنى كقولك: رميته فهو مرمي، ولعله إنما خفف، لكثرته في الكلام، ولذلك أثر فيه التخفيف، وإخراج الشيء عن أصله كقولهم في أي شيء: إيشٍ، وحذف ألف بسم الله كتابة، وقطع همزته في النداء، نحو: يا ألله، وترك الهمزة في الدرية والبرية، وإن كان هو الأصل فيهما، إذ هما من درأ وبرأ.
وأما البيان، فهو:
إما مصدر من بان يبين، إذا ظهر، ونظيره من ذوات الواو: جاز جوازًا.
أو اسم مصدر من ذلك، أو مصدر محذوف الزوائد من أبان الشيء يبينه إذا أظهره، إبانة، وأصله إبيانًا، وبيان اسم له، كالنبات للإنبات في قوله تعالى: {أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا} وهذا أولى، لأن البيان يوصف به المتكلم، يقال: رجل ذو بيان، أي ذو إبانةٍ لمعاني كلامه، أي: إظهارٍ لها، ولا يصح ههنا أن يقال: رجل ذو ظهور إلا بتأويل بعيد، أي ذو كلام له ظهور، أو ذو ظهور لكلامه.
إذا ثبت هذا، فمعنى قولنا علم المعاني والبيان: العلم المراد بالألفاظ، وإظهار المراد بها، ثم يتفاوت ذلك الإظهار بحسب تفاوت القوى النفسية، والقرائح الذهنية، فيظهر بذلك التفاوت في مقادير البلغاء، ومراتب الخطباء والنصحاء، فأعلى مراتب البيان: إظهار المراد بالكلام غاية الإظهار.
فإن قلت: ما ذكرته في الكشف عن حقيقة هذا العلم، يقتضي أن الكلام كلما كان في البيان أدخل، كان في الظهور والجلاء أبلغ، وإلى الأفهام أسبق، والأمر على العكس من ذلك، فإن النكت التي ذكرها أهل هذا العلم من القرآن وكلام العرب مما سيأتي أمثلته في غاية الدقة من الأذهان، ولا يحققها إلا الأذكياء الأعيان، فقد بان بذلك أن هذا العلم على عكس ما قررتموه في تحقيقه.
قلت: ليس الأمر كما ذكرت، وإنما زلت قدمك في هذه الشبهة من جهة: أن الظهور على ضربين:
ظهور بديهي. كظهور البديهيات لنا نحو: إن النقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان، وأن الشيء الواحد لا يكون موجودًا معدومًا، ولا قديمًا حادثًا معًا.
وظهور نظري، أي: مترتب على النظر، كظهور النظريات لنا، نحو: حدوث العالم، ووجود صانعه، وقدمه، وحوار بعثة الرسل، ونحوها، فإن هذه قضايا لا تظهر لنا صحتها بديهة، بل إذا نظرنا في براهينها، ترتب ظهور العلم بها على ذلك النظر ترتبًا
لازمًا، وظهورًا لا خفاء به، فأنت حملت الظهور الذي فسرنا البيان به، على الظهور البديهي، وليس بصحيح، وإنما هو الظهور النظري، فإن النكت الثانية التي زعمت أنها تدق عن الأذهان، ولا يدركها إلا الأعيان، إذا نظر فيها من دقت عن ذهنه نظرًا صحيحًا، وكان أهلًا للنظر فيها، ظهرت له ظهورًا لا يمارى فيه، ويستطرفها استطرافًا لا خفاء به، وكثيرًا ما يرى في الفعليات القواطع ما يكون العاقل غافلًا عنه، لا شعور له به، فإذا نبه عليه، أو نظر فيه، أدنى تنبيه أو نظر، ظهر له، فيظل باهتًا كأنه لم يؤت العقل إلا تلك الساعة، والله أعلم.