كأحد أدلة أبي حنيفة، على أن الاستثناء المتعقب جملًا يتعلق بالأخيرة، وتقريره: أن تعلق الاستثناء بما قبله لضرورة أنه تابع لا يستقل بنفسه، وتعلقه بالجملة الأخيرة يزيل الضرورة، فلا حاجه إلى تعليقه بغيرها، والله أعلم.
القسم الثالث
في علمي المعاني والبيان
القسم الثالث
في علمي المعاني والبيان
لكونهما من أنفس علوم القرآن
وقد صنف الناس فيهما كتبًا كثيرة، إلا أن من أحسن ما رأيت فيها، كتابًا صنفه الشيخ الإمام العلامة حجة العرب، ولسان الأدب: ضياء الدين أبو الفتح نصر الله بن محمد بن الأثير الجزري رحمه الله، ترجمه بالجامع الكبير في صناعة المنظوم والمنثور، سلك فيه مذهب الإطناب، حتى لم يبق دون فهمه حجاب، وضمنه غرائب، وأتى فيه بعجائب، فعمدت في هذا القسم إلى الإتيان بجميع مقاصد كتابه عريًا عن إسهابه وإطنابه، جامعًا فيه بين البيان والإيجاز، معرضًا عن الرمز والإلغاز، ولم ألتزم الإتيان بحجم دون حجمه، بل بمقاصده في نظم دون نظمه، مع زيادات لفظية نقلتها من كتب أهل هذا العلم، واستخرجت دررها من تيار الفهم تارة في القواعد والتحقيقات، وتارة في الأمثلة والاستشهادات، ومرة في ضبط كلياته بالحدود والرسوم، تقريبًا لتحقيقه على الأذهان والفهوم، وقد أنكرت عليه في مواضع استعرتها، فبينت صوابها واستدركتها.
ومن نظر في الكتابين بعين الإنصاف وأعرض عن الجيف والإجحاف، علم أن بعد الطل سيلًا جحافًا، وأن المئين مواد الآلاف
وفيه مقدمة وجملتان:
أما المقدمة، ففيها أبحاث:
البحث الأول
في الكشف عن حقيقة هذا العلم
وإنما يتم ذلك بالكشف عن حقائق مفرداته، وهي: العلم، والبيان.
أما العلم، فقد تقدم بيانه وأنه صفة للنفس يوجب لها تمييزًا جازمًا، وحيث أضيف العلم إلى شيء من المعلومات، فالمراد: تعلق العلم بذلك المعلوم، فمعنى علم الفقه: العلم بأحكام الفقه، وعلم المعاني: العلم بأحكامها مما سيأتي تفصيله.