ولعمري إن هذا لدأبه في غالب كتبه الكلامية والحكمية، كالأربعين، والمحصل، والنهاية، والمعالم، والمباحث المشرقية، ونحوها. وبعض الناس يتهمه في هذا وينسبه إلى أنه ينصر بهذا الطريق ما يعتقده ولا يجسر على التصريح به.
ولعمري إن هذا ممكن، لكنه خلاف ظاهر حاله، فإنه ما كان يخاف من قول يذهب إليه، أو اختيار ينصره، ولهذا تناقضت آراؤه في سائر كتبه وإنما سببه عندي، أنه كان شديد الاشتياق إلى الوقوف على الحق، كما صرح به في وصيته التي أملاها عند موته، فلهذا كان يستفرغ وسعه، ويكد قريحته في تقرير شبه الخصوم، حتى لا يبقى لهم بعد ذلك مقال، فتضعف قريحته عن جوابها على الوجه، لاستفراغه قوتها في تقرير الشبه، ونحن نعلم بالنفسية الوجدانية، أن أحدنا إذا استفرغ قوة بدنه في شغل ما من الأشغال، ضعف عن شغل آخر، وقوى النفس على وزان قوى البدن غالبًا. وقد ذكر في مقدمة كتاب (نهاية العقول) ما يدل على صحة ما أقول، لأنه التزم فيه أن يقرر مذهب كل خصم، لو أراد ذلك الخصم تقريره، لما أمكنه الزيادة عليه أو أوفى بذلك. ولهذا السبب قرر في كتاب الأربعين أدلة القائلين بالجهة، ثم أراد الجواب عنها، فما تمكن منه على الوجه، فغالط فيه في موضعين قبيحين، ذكرهما في مواضع كثيرة، والله أعلم.
تنبيهان:
أحدهما: قد ذكرنا أن أقسام العلم وأنواعه متعددة متكثرة، وذلك ظاهر في أن حقيقة العلم يلحقها التعدد والتكثر، والذي يجب اعتقاده أن ذلك لا يلحقها، بل هي ماهية واحدة تتصف النفس بها، ولهذا عُرف العلم بأنه صفة توجب تميزًا، وإنما التعدد والتكثر في متعلقه، وهو المعلوم، ثم يطلق عليه اسم العلم مجازًا، إطلاقًا لاسم المتعلق -بكسر اللام- على المتعلق -بفتحها- وكذلك استعملناه في التقسيم، وممن حكي عنه هذا المعنى سيبويه.
الثاني: أننا ذكرنا أن علم القرآن، وكذا غيره، إما متعلق باللفظ أو المعنى، والمراد: أن بعضه يتعلق بالمعنى بواسطة اللفظ، وبعضه يتعلق به من غير واسطة، لا أن بعضه يتعلق باللفظ لذاته، لما ثبت من أن الألفاظ آلة يتوصل بها إلى المعاني التي هي الأغراض، وأنها خدم لها، فالمقصود لذاته إنما هو المعنى، فبهذا الاعتبار جميع العلوم معنوية.
وإنما يتجه انقسامها إلى لفظي ومعنوي بالاعتبار الذي ذكرناه من الواسطة وعدمها، ويدل على أن الألفاظ غير مقصودة لذاتها وجوه:
الأول: أن العرب متى فهمت المعنى بدون اللفظ، حذفته وجوبًا، نحو: جواب لولا، وفي نحو ضربي زيدًا قائمًا، وأخطب ما يكون الأمير جالسًا، وكحذف الخبر تارة، والمبتدأ أخرى، والجملة، نحو: نعم، جوابًا لمن قال: أقام زيد؟ أو أعندك عمرو؟
الثاني: أن من نطق بألفاظ لا معنى تحتها، عد هاذيًا لا متكلمًا. ولو أفاد معنى بدون اللفظ، كالإشارة والرمز، لعد متكلمًا عرفًا، وحيث دار القصد مع المعنى وجودًا وعدمًا، دل على أنه المقصود لذاته لا الألفاظ.
الثالث: أننا نتصرف في الكلام بالحذف والتقدير، لتصحيح المعنى. فتقدر الجملة
في المفرد نحو: زيد قام، أي: قائم، والجار والمجرور بمفرد منصوب على المفعول، نحو: مررت بزيد، أي: لابسته، أو جاوزته، ويرد المحذوف، لتكميل معنى اللفظ الناقص، نحو: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ} وذلك دليل على أن المقصود المعنى لا اللفظ، وإنما جيء باللفظ ضرورة للتخاطب، وما ثبت للضرورة يقدر بقدرها وهي قاعدة مطردة شرعًا، كأكل الميتة للمضطر. ولغة،