فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 150

وهؤلاء الناسخة يحتمون لمذهبهم في التناسخ بقوله تعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ} أي كانوا بشرًا مثلكم ثم نسخت أرواحهم في أجسام الدواب والطيور، بدليل قوله تعالى: {وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ} ، {عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ} وبقوله تعالى: {فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ} لكنه احتجاج ضعيف يرده المعقول والمنقول، وهؤلاء المتصوفة، وأصحاب الرياضيات والمجاهدات يحتجون على ثبوت العلم اللدني بقوله تعالى: {وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا} ويقولون: إن الإنسان إذا راض نفسه بالعبادة وقلة الغذاء، استعدت لقبول الفيض الإلهي، فيفيض عليها منه علم تدرك به حقائق بعض الغائبات، كالمرآة إذا جليت أشرقت، واستعدت لحكاية صور المقابلات، إلا أن هذه دعوى صحيحة، ومتمسك صحيح، لا وجه للنزاع فيها بعد تحقيق وقوع ذلك كثيرًا من صالحي هذه الأمة وغيرها، ويكفي من ذلك قصة الخضر عليه السلام، قال بشر بن الحارث الحافي رحمه الله: الجوع ينور القلب، ويكسر شره النفس، ويورث العلم الدقيق. والظاهر أنه أشار إلى هذا.

[الإكسير في علم التفسير: 53]

وقال بعض الحكماء: البِطنةُ تُذهب الفِطنة فمفهومه عكسه، ووفق ما سبق وحكى لي بعض أصحابنا البغداديين السالكين آثار القوم، قال:

كنت ذات ليلة مضطجعًا في بيت مظلم، وأنا أفكر في كيفية إدراك الكاشفين للغائبات. فبينما أنا كذلك، إذ رأيت دائرة نور في سقف البيت فجعلت أنظر بها إلى جميع ما في البيت فأحسه. قال: وسمعت هاتفًا يقول، أو قال: -وقع في روعي- (هكذا يكون) .

وقد صنف الغزالي رحمه الله جزءًا حسنًا في العلم اللدني، وبين فيه شروط حصوله، وكيفية فيضانه، والله أعلم.

ونحن إنما ذكرنا العلوم التي ينبغي للمفسر الاعتناء ببيانها، وغالب التفاسير المتأخرة يقتصر من هذه العلوم على اللفظي. ومن المعنوي على الأقاصيص والفقه، ويتفاوت بعضها على بعض في هذه العلوم قلة وكثرة.

ومنهم من يقتصر على الأحاديث المتعلقة بأسباب النزول والتفسير ونحوها من النقليات: كعبيد بن حميد، وعبد الرزاق ونحوهما من مفسري المتقدمين.

ومنهم من يقتصر على الأحكام اللغوية من إعراب وتصريف ونحوهما، وشيء من علم المعاني، كالزجاج، والفراء، والزمخشري.

ومنهم من استوفى كثيرًا من علومه، كابن الجوزي، والرشغتي.

[الإكسير في علم التفسير: 54]

وأجمع ما رأيته من التفاسير لغالب علم التفسير كتاب القرطبي، وكتاب مفاتح الغيب ولعمري كم فيه من زلة وعيب. وحكى لي الشيخ شرف الدين اليصني المالكي أن شيخه الإمام الفاضل سراج الدين المغربي السرمساحي المالكي صنف كتاب (المآخذ على مفاتح الغيب) وبين ما فيه من البهرج والزيف في نحو مجلدين، وكان ينقم عليه كثيرًا خصوصًا إيراده شبه المخالفين في المذهب والدين، على غاية ما يكون من القوة، وإيراد جواب أهل الحق منها على غاية ما يكون من الدهاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت