فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 150

وَعِظْهُمْ. وقال {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} ويصلح هذا متمسكًا للوعاظ على شرف علمهم ويؤكده فعل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مع أممهم، والسلف الصالح في عصرهم، إلا أن وعظ أولئك كان خاليًا من التكلف، فهم لا يتكلفون فيه، فيكسبه التكلف غثاثة، وركاكة، ولعل المفسدة في وعظ بعضهم أرجح من مصلحته، لما يهيج لسامعه من الأغراض الخبيثة التي تنسيه الله، والدار الآخرة خصوصا إن كان الواعظ لم يعرض له عارض، وهذا شيء جرب وصح، والله أعلم.

ومنها: علم التناسخ والمنسوخ.

ومنها: أصول الفقه، إذ قد دل، أي: القرآن، على غالب نكته، لقوله تعالى: {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ} . وقوله تعالى: {قل يحييها الذي أنشأها أول مرة} على وجوب القياس وصحته، وأنه دليل معتمد، كقوله تعالى: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا} ، {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ} على جواز النسخ ووقوعه، وقوله تعالى: {أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة} على جواز النسخ لا إلى بدل، وقوله: {الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ} على نسخ الأثقل إلى الأخف، وكقوله

[الإكسير في علم التفسير: 51]

تعالى: {مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ} {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ} ، {و إِذَا قِيلَ لَهُمْ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ} . على أن الأمر للوجوب، وكتأخير بيان بقرة بني إسرائيل عن وقت الأمر بذبحها على جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة. وقوله: {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} على جواز تأخيره إلى وقت الحاجة، ونحو ذلك مما يطول استقراؤه.

ومنها: علم الفقه، وهو لكثرته في القرآن غني عن إيراد الأمثلة له.

ومنها: علم المعاني والبيان، والقسم الثالث موضوع له، وسيأتي إن شاء الله.

واعلم أن القرآن بحر لا تُستوفى مطالبه، ولا تنقضي عجائبه، كما جاء في الخبر، ولهذا غالب طوائف العلماء يتمسكون على دعواتهم بشبه.

فهؤلاء أصحاب صناعة الكيمياء يتمسكون على صحتها منه بقوله تعالى: {أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء} إلى قوله: {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ} يشيرون إلى أن معناه: أن في الغثاء ما إذا خالط المعادن الممتزجة سطا عليها بطبعه، فميز الإكسير النافع منها وأفرده عن المزاج الزبدي الذي لا نفع فيه، أو إلى أنه بالوقيد والتقصية يحصل ذلك. ولا شك أن اللفظ يحتمل احتمالًا ما ذكروه، إلا أنه ليس مرادًا منه باتفاق المفسرين، وإنما هو مثل ضربه الله تعالى للإيمان والكفر،

[الإكسير في علم التفسير: 52]

والحق والباطل، وشبهه بماء الغيث - الذي تجري به الأودية فيحمل الغثاء، وهو: ما تحمله من عود أو شجر أو غيره - ولذلك فالغثاء، وهو: الزبد، يذهب جفاء: أي يلقى مطرحًا، وينتفع بالماء بما يُنبت من الكلأ، ويروى من الظمأ، وبالمعادن كالحديد والصفر والنحاس إذا عولجت بالنار، فإنها تذهب خبثها، وما لا ينتفع منها، ويبقى الجوهر الصافي ينتفع به، باتخاذه حلية أو متاعًا. وذكر بعض المفسرين أن معنى قوله تعالى: {فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ} أن المعادن تقذف زبدها فتلقيه، ويبقى خالصها، مستترة في مستقر من الأرض، وهذا موافق لقول الكيميائيين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت