فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 150

[الإكسير في علم التفسير: 29]

القسم الأول

في معاني القرآن

[الإكسير في علم التفسير: 31]

القسم الأول أما الأقسام فأولها في بيان احتياج بعض قراء القرآن إلى التفسير والتأويل: اعلم أن الكلام إما أن يكون متضح اللفظ والمعنى، أو لا.

فالأول لا حاجة له إلى تفسير، بل هو بين بنفسه، لاتضاح لفظه، واشتهاره وضعًا أو عرفًا، ونصوصيته في معناه نحو {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَسْقَيْناكُمُوهُ} . فإن لفظ الإنزال والسماء والماء والإسقاء معروفة مشهورة، ونصوصيتها في مدلولاتها غير منكورة.

أما الثاني وهو عدم الإيضاح في لفظه ومعناه جميعا، لاشتراك نحو: {ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} للطهر والحيض، وعسعس الليل لأقبل وأدبر، {وَلا يَمَسُّهُ إِلّا الُمطَهَّرُون} ، لاحتماله النهي والخبر، أو لظهور تشبيه، كآيات الصفات نحو {يَداهُ مَبْسوطَتانِ} ، {وَجْهُ رَبِّكَ} ، {وَلْتُصْنَعَ عَلَى عَينِي} ، وَلا

[الإكسير في علم التفسير: 33]

أَعْلَمُ ما في نَفْسِكَ. أو لغرابة في اللفظ نحو {ضاقَ بِهِمْ ذَرْعا} ، {ذَنُوبًا مِثْل ذَنوبِ أَصْحابِهِمْ} ، {فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ} وهو المحتاج إلى التفسير فإن قلت ما فائدة ورود هذه الأقسام التي يحتاج بعض قرائها إلى التفسير في القرآن، وهو إنما ترك لتكليف الخلق للعمل بمضمونه، وقد كان إنزاله جميعه متضحا عريا عن الإشكال والإجمال -كالقسم الأول-، أحرى أن تبادر الأفهام إلى معناه، فتبادر القلوب والأبدان إلى امتثال مقتضاه؟. قلت: فائدته من وجوه: أحدها: أن القرآن نزل بلسان العرب ولغتهم، وهي مشتملة على القسمين: أعني المتضح وغيره، وكلاهما عندهم بليغ حسن في موضعه كما سيأتي في القسم الثالث إن شاء الله تعالى، فلو خلا القرآن من أحدهما لكان مقصرا عن رتبة اللغة. فلا يصلح إذًا للإعجاز.

الثاني: أنه تعالى أنزل المتضح، ليتعبد المكلفون بالعمل به بادئ الرأي: أعني على الفور من غير احتياج إلى نظر، وأنزل غير المتضح الذي يمكن التوصل إلى معرفة معناه بالنظر، ليتعبد العلماء بالاجتهاد في استخراج معناه، والمقلدون لهم بتقليدهم فيه، وتلقينهم له عنهم بالقبول، فيعظم أجر الفريقين ما دام تعبدهم به، وأنزل ما استند بتأويله كالمتشابه، ليتعبد الجميع بالإيمان، ولهذا أثنى على المؤمنين به بقوله تعالى: {والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا} على ما قررناه في كتاب «بغية السائل» ، وحينئذ لا تنافي بين هذا وبين قولك: إنما أنزل لتكليف الخلق بالعمل بمضمونه، لأن العمل بمضمون المفهوم منه، والإيمان بغير المفهوم منه تعبدان

[الإكسير في علم التفسير: 34]

صحيحان يحصل بينهما تمييز الطاعة من العصيان والكفر من الإيمان وهذا من خرج الجواب عن بقية سؤالك.

الثالث: لعله تعالى جعل إنزال هذا القسم شركا من أشراك الضلال يوقع فيه من يعترض عليه به مثل هذا السائل الذي وظيفته الانقياد والتسليم لأمر مولاه الذي لا يسأل عما يفعل، وقد وقع ذلك منه بإخباره الصادق عن نفسه حيث

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت