يقول: {وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا} فجعل منه على المستضعفين سببا لإضلال المعترضين المكذبين، وكذلك قوله تعالى: {ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم} .
الرابع: لو فرضنا أن ليس في إنزاله حكمة تظهر لنا، لكن يجب حمله على حكمة خفيت عنا لقيام الدليل على حكمته تعالى، وأنه لا يفعل شيئا عبثا لا لحكمة ولو ذهب ذاهب إلى إنكار الحكمة من كل فعل لم تظهر له حكمته، لكان حينئذ مدعيا مساواة الله تعالى في علمه، ومشاركته في معلوماته، ودعوى ذلك كفر، هذا كله إن قلنا: إن أفعال الله تعالى معللة، وإن قلنا: إنها لا تعلل استرحنا من الجواب عن هذا السؤال أصلا، إذا ثبت هذا وأن في القرآن ما يحتاج إلى التفسير، فاعلم أنه قد ثبت عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: كنا لا نجاوز عشر آيات حتى نعرف أمرها ونهيها وأحكامها وهذا نقل عن الصحابة رضي الله عنهم، وظاهره أنهم كانوا يأخذون ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، مع احتمال أنهم كانوا يأخذونه عن غيره من الصحابة، أو عنه عليه السلام وعن غيره، فإنه كان على عهده صلى الله عليه وسلم من يؤخذ عنه العلم ويفتي من الصحابة رضوان الله عليهم، وأشد الأحوال ما ادعيناه: أنهم كانوا يأخذونه عنه عليه السلام، وأنه لم يمت حتى أخذ عنه تفسير القرآن حرفًا حرفًا، لكن مع ذلك فإنا نجزم أن في
التفاسير المتداولة بيني الأمة ما لم يقله النبي صلى الله عليه وسلم، ولو عرض عليه لرده وزجر قائله، ونعرف ذلك من اختلاف أقوال المفسرين في الحرف الواحد أو الآية الواحدة على عشرة أقوال وأكثر وأقل بعضها يرد بعضا أو يضاده، أو يناقضه وأقل ما فيه أن تختلف تلك الأقوال أو بعضها بالعموم والخصوص وسبب ذلك أن ما أخذه بعض الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم من التفسير، تناقلوه فيما بينهم على حسب الإمكان، ولعل بعضهم مات ولم ينقل ما عنده منه، لمبادرة الموت له، ثم تفرق الصحابة رضي الله عنهم بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم في البلاد، ونقلوا ما عملوه من التفسير إلى تابعيهم وليس كل صحابي علم تفسير جميع القرآن، بل بعضه، إذ الجامعون للقرآن على عهده صلى الله وسلم كانوا نفرا معدودين، وشرذمة قليلين، فألقى الصحابي ذلك البعض إلى تابعه، ولعل ذلك التابعي لم يجتمع بصحابي آخر يكمل له التفسير، أو اجتمع بمن لا زيادة عنده على ما عنده عن الصحابي الذي أخذ عنه، فاقتصر عليه، وشرع يكمل تفسير القرآن باجتهاده استنباطًا من اللغة تارة. ومن السنة تارة ثانية، ومن نظير الآية المطلوب تفسيرها من القرآن تارة ثالثة، ومن مدارك أخر رآها صالحة لأخذ التفسير منها: كالتاريخ، وأيام الأمم الخالية، والقضايا الإسرائيليات ونحوها، فاتسعت الخرق، وكثر الدخل في التفسير، حتى آل الأمر إلى الأقوال الكثيرة، فتفعل كل طبقة من المفسرين كفعل التي قبلها، من زيادة الوجوه، والأقوال، والاختيارات، كما نراهم يصرحون به في تفاسيرهم، وينسبون الأقوال إلى آرائهم ومذاهبهم، وهذا بعينه هو كان السبب في اختلاف مذاهب الفقهاء رحمهم الله: أعني تفرق الصحابة في البلاد، واختصاص بعضهم بما ليس عند غيره من ناسخ أو منسوخ، أو زيادة في حكم من تقييد مطلق أو تخصيص عام ونحوه، فأفتى كل منهم بما انتهى إليه علمه، ثم انضم إلى ذلك اختلافهم في تأويل الكتاب والسنة بحسب ما فهموه من اختلاف اللغات، والقرائن، والأحوال، ثم تلقى ذلك عنهم التابعون رحمهم الله، فمن بعدهم، -فلا جرم- كثر الخلاف جدًا، كما حكى عبد الوارث بن سعيد قال قدمت مكة فوجدت بها، أبا