فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 150

فحنيفة وابن أبي ليلى وابن شبرمة رحمهم الله، فقلت لأبي حنيفة: ما تقول في رجل باع بيعا وشرط شرطا؟ قال: البيع باطل والشرط باطل، ثم أتيت ابن أبي ليلى فسألته، فقال: البيع جائز، والشرط باطل، ثم أتيت ابن شبرمة فسألته فقال: البيع جائز، والشرط جائز، فقلت: سبحان الله، ثلاثة من فقهاء العراق اختلفوا في مسألة واحدة فأتيت أبي حنيفة فأخبرته، فقال: ما أدري ما قالا، حدثني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع وشرط البيع باطل، والشرط باطل، ثم أتيت ابن أبي ليلى فأخبرته فقال: ما أدري ما قالا، حدثني هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها، قالت: أمرني النبي صلى الله عليه وسلم أن أشتري بريرة فأعتقها، البيع جائز والشرط باطل، ثم أتيت ابن شبرمة فأخبرته، فقال: ما أدري ما قالا، حدثني مسعر بن كِدام عن محارب بن دثار عن جابر رضي الله عنه قال: بعت من النبي صلى الله عليه وسلم ناقة وشرط لي حملها إلى المدينة، البيع جائز والشرط جائز، قلت: فقد استند كل من هؤلاء الأئمة إلى دليل، لكن وقع التقصير من كل منهم إما من جهة أنه لم يحفظ ما عند صاحبه، وإما من جهة الجمع بين الأحاديث بتنزيلها على اختلاف أحوال، أو غير ذلك من التصرفات الفقهية، وقد

[الإكسير في علم التفسير: 37]

صرح الحميدي رحمه الله بأن سبب اختلاف مذاهب الفقهاء هو ما ذكرته فيه، وإذا جاء مثل هذا في مذاهب الفقهاء جاز مثله في مذاهب المفسرين، لاشتراكهما في السبب، وكونهما من الدين، فإن قلت لا يظن بعلماء السلف الصالح مع ورعهم وزهدهم وثقتهم وأمانتهم، وما كانوا عليه من خوف الله ورهبته، وتعليم آياته وكتبه، أن يقدموا على تأويل القرآن من عندهم مع علمهم بقوله عليه السلام: (( من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار ) )رواه الترمذي وحسنه وفي لفظ وأضاف: (( فقد أخطأ ) )، وبما حكي عن الصدِّيق رضي الله عنه من قوله: أيّ سماء تظلني وأيّ أرض تقلني إذا قلت في القرآن ما لا أعلم". وكان الأصمعي مع تقدمه وسعة باعه في اللغة، يحتمي تفسير القرآن وإعرابه، وإذا احتمى تفسيره والكلام فيه مثل هذين الإمامين المتقدمين في عصرهما، فغيرهما ممن هو دونهما أولى، وحينئذ يتعين حمل كل ما نقل من تفسير القرآن على أنه عن النبي صلى الله عليه وسلم. قلت: قد بينا أن نسبة جميع ما نقل من التفسير إلى النبي صلى الله عليه وسلم مما لا سبيل إليه البته، لوقوع الخلاف فيه، والتناقض، وتصريح كثير من المفسرين بنسبة أقوالهم إلى أنفسهم، وأما ما ذكرت من الشبهة فلا مريه في إنصاف السلف الصالح بما ذكرت، من الصفات الجميلة، لكن ذلك لا ينافي كلامهم في القرآن لوجوه:"

أحدها: أن تقدير صحة الحديث المذكور يجوز أنهم ما علموه. أو أن الذي علمه منهم لم يتكلم فيه، ولسنا ندعي أن جميعهم تكلم فيه، بل بعضهم وحينئذ يكون خطأ من أخطأ منهم في تأويله، خطأ اجتهاديا وهو مرفوع كما في أحكام الفروع.

[الإكسير في علم التفسير: 38]

الثاني: بتقدير أنهم علموا الحديث لكن الممنوع من الكلام هو العامي أو الضعيف الذي ليس له أهلية الكلام فيه بدليل قوله عليه السلام: (( من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار ) )صححه الترمذي أما العلم المتأهل للكلام فيه فليس ممنوعا منه، ذكر ذلك الحسين بن مسعود في مقدمة تفسيره لمفهوم الحديث ومن هذا يخرج الجواب عن حكاية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت