الصديق لأن سكوته كان عما لا يعلم منه بدليل قوله «إذا قلت في القرآن ما لا أعلم» وبدليل أنه قد تكلم في أحكام الشريعة بما علم، وليس الكلام في القرآن بأعظم خطرا من الكلام في الأحكام، إذ الكل كلام في دين الله تعالى.
وأما الأصمعي رحمه الله فإن كان احتماؤه للكلام فيه بما لا يعلم فهو غاية التوفيق والصواب، لأن كلامه إذا فيه يحرم، وإن كان مع العلم، فذلك إما جمود وجبن وإما خروج إلى السلامة، واكتفاء بمن تكلم فيه قبله، وفي عصره من الأئمة الذين هم حجة عليه وله.
الثالث: لعل علماء السلف رحمهم الله رأوا أن الكلام في القرآن متعين عليهم، وأنهم أولى به ممن أتى بعدهم، لقربهم من التنزيل ومعرفة التأويل، فيكون ورعهم وزهدهم وخشيتهم هي الحاملة لهم على الكلام فيه خشية أن يدرس من علم شريعة الله ودينه ما لا يمكن تداركه، ورأوا أن الخطأ عنهم في ذلك موضوع كالأحكام الفرعية الاجتهادية، وذلك كما حكي عن موسى بن عقبة لما رأى ما دخل على مغازي النبي صلى الله عليه وسلم من الزيادة والنقص جمع ما صح عنده من المغازي ليحرسها بذلك من الكذب، فأثنى العلماء عليه بها وحكموا بأنها أصح المغازي. إذا ثبت ذلك، وأن علماء الأمة سلفا وخلفا قالوا في التفسير باجتهادهم مما لم يثبت أخذه بخصوصه من الشارع وجب وضع قانون يتوصل به إلى علم التفسير فنقول وبالله التوفيق: كلما أردنا فهم معنى كلام الله عز وجل فلا يخلو إما أن يكون بيانا بنفسه كالقسم الأول من قسمي الكلام المذكورين، أو لا، فإن كان فلا إشكال، إذ المراد منه هو المفهوم منه.
لكل عاقل كالمفهوم من قوله تعالى: {أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} ، {وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَى} ، {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ} ، {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} . {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ} ، ونحو ذلك.
وإن لم يكن كذلك، فلا يخلو: إما أن يكون في تأويله دليل عقلي قاطع، أو نص عن النبي صلى الله عليه وسلم تواتري، أو اتفاق من العلماء إجماعي، أو نص أحادي صحيح، أو لا يكون شيء من ذلك، فإن كان فيه شيء من الطرق المذكورة، وجب المصير فيه إلى ما دل على أنه المراد منه، سواء كان ما دل عليه أحد هذه الطرق موافقًا لظاهر لفظ الكلام أو لا.
أما العقلي القاطع والتواتر، فلإفادتهما العلم القاطع، فلا يعارضه الظاهر المحتمل ولذلك قدمناهما.
وأما الإجماع فلاستلزامه دليلًا تقوم به الحجة من نص أو غيره، إذ لا إجماع إلا عن مستند، ولقيام الدليل على عصمة الأمة من أن تجمع على خطأ، ومثال ذلك تأويل قوله تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ} ، {ولا خمسة إلا هو سادسهم} .
ونحوه، على أنه كذلك بعلمه لا بد أنه -والإجماع على هذا التأويل- مستند إلى العقل القاطع باستحالة التجزئة، والتبعض والحلول عليه تعالى.
وأما الأحادي الصحيح فلأنه يعتاد عليه الظن، ويوجب العمل والعلم على مذهب مرجوح، فكان أولى من غيره، وإن لم يكن في تأويله شيء من الطرق المذكورة، مثل