فهرس الكتاب

الصفحة 7 من 150

إن كان فيه آحاد ضعيفة، أو شيء عن أصحاب التواريخ والسير غير مفيد للعلم بصحة ما دل عليه، أو ظنه بدليل خارج من قرينة عقلية أو غيرها، أو تأويل مختلف فيه متعارض عن العلماء، نظرنا: فإن كان ما ورد فيه من الأحاديث الضعيفة والتواريخ والسير المذكورة موافقًا للمفهوم من ظاهر الكلام، أو من فحواه، أو معقوله، حمل الكلام على ما فهم منه، وكان الخبر الضعيف ونحوه مؤكدًا لما استفيد من اللفظ، وإن لم يكن موافقًا للمفهوم من ظاهر اللفظ أو معقوله ألغي، لضعفه وضعف ما يفيده الظن إن أفاده، واعتبر مفهوم ظاهر الكلام لقوته وقوة ما يفيده من ظن أن المراد ما لم يمنع منه مانع أقوى منه، إذ المقصود من الكلام الإفهام، والظاهر من المتكلم الحكيم إرادة ظاهر الكلام. وأما ما ورد فيه التأويل المختلف عن العلماء، فذلك الاختلاف إما أن يشتمل على التناقض والتضاد أو لا، فإن اشتمل عليه (كالقُرء) التي صُير في تأويلها إلى الحيض مرة، وإلى الإطهار أخرى، كان أحد النقيضين أو الضدين متعينًا للإرادة، لاستحالة الامتثال بالجمع بينهما، وحينئذ يجب التوصل إلى المراد المتعين بطريق قوي راجح من الطرق المتقدم ذكرها أو غيرها إن أمكن، وإن لم يشتمل على التناقض، بل كان مجرد اختلاف، وتعدد أقوال، فإن احتمل اللفظ جميعها وأمكن أن تكون مرادة منه، وجب حمله على جميعها ما أمكن، سواء كان احتماله لها مساويًا، أو كان في بعضها أرجح من بعض، وإلا فحمله على بعضها دون بعض إلغاء للفظ بالنسبة إلى بعض محتملاته من غير موجب، وهو غير جائز، ولأنه لو جاز أن يكون مرادًا، فإعمال اللفظ بالنسبة إليه أحوط من إهماله، نعم إن كان احتماله لها متفاوتًا في الرجحان، جاز في مقام الترجيح تقديم الأرجح فالأرجح بحسب دلالة اللفظ عليه، أو جلالة قائله، أو عاضده الخارجي، وغير ذلك من وجوه الترجيحات. ومثال ذلك، أعني: احتمال اللفظ للوجوه المتعددة قوله تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ} . قيل هي: مساقط النجوم في المغرب، وقيل: إن منه نزول القرآن، لأنه نزل في ثلاث وعشرين سنة فاللفظ يحتمل القولين، فيجوز أن يكون القسم بهما مرادًا لله عز وجل، لأنهما

[الإكسير في علم التفسير: 41]

عظيمان لاسيما على قول من يقول: يجوز إرادة حقيقة اللفظ، ومجازه جميعًا منه، وكذلك الأشياء التي أقسم الله بها نحو: {وَالضُّحَى} ، {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى} قيل: المراد القسم بحقائقها، لعظم الآيات فيها، وقيل: القسم بخالقها وربها على حذف المضاف، أي: ورب الضحى، والليل، والشمس، والقمر، فيجوز إرادة المعنيين في القسم، وأنه تعالى أقسم بنفسه، وبعظم آياته الصادرة عن قدرته، فيكون هذا في الحقيقة قسمًا بذاته وصفته، وكذا قوله تعالى: {عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا} قيل: هو الشفاعة، وقيل: الوسيلة، وقيل: يجلسه معه على العرش، وقيل غير ذلك، إلى اثني عشر قولًا، واللفظ يحتملها، وإرادتها جائزة، واجتماعها ممكن، إذ لا مانع من أن الله تعالى يقبل شفاعته حيث يشفع، ويعطيه الوسيلة وهي منزلة في أعلى منازل الجنة، ولهذا قال: إنها لا تنبغي إلا لرجل واحد من بني آدم، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل الله لي الوسيلة، حلت عليه الشفاعة، ويجلسه معه على العرش على أصل أهل السنة فيه، وأنه سرير جوهري، ولا عبرة بما يقوله المبتدعة من لزوم التجسيم، إذ لا صيور له عند التحقيق، وقد حكي عن محمد بن ساقلا أنه قال: لو حلف حالف بالطلاق أن الله تعالى يُجلس محمدًا صلى الله عليه وسلم معه على العرش، لما حنثته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت