واعلم أن هذا القول منه، ليس لأن هذا الإجلاس مقطوع به، بل لكونه ممكنا جائز الوقوع والإرادة من اللفظ، وإنما المقطوع به المقام المحمود في الجملة، أما خصوص هذا الإجلاس أو غيره من الأقوال سوى ما تواترت به السنة، أو استفاضت من الشفاعة فلا، وإنما لم يحنثه أبو إسحاق لما ذكرناه من الإمكان، ولكون صحة
النكاح وثبوته متيقنًا، فلا يحكم بدفعه بأمر محتمل، وإن لم تمكن إرادة تلك الأقوال جميعها من اللفظ، لدليل دل على عدم إمكانها منه، لم يحمل إلا على ما أمكن إرادته منها منه والله أعلم.
واعلم أن التزام هذا القانون في التفسير يدفع عنك كثيرا من خبط المفسرين بتباين أقوالهم، واختلاف آرائهم، وإنما ينتفع بالتزام هذا القانون من كانت له يد في معرفة المعقول، والمنقول، واللغة وأوضاعها، ومقتضيات ألفاظها، والمعاني، والبيان، بحيث إذا استبهم عليه تفسير آية، وتعارضت فيها الأقوال، صار إلى ما دل عليه القاطع العقلي، أو النقلي على تفصيل سبق، ثم إلى مقتضى اللفظ لغة، ونحو ذلك. أما من كان قاصرًا فيما ذكرناه، فلا ينتفع بما قررناه، لأنه يكون كمن له سيف قاطع، لكن لا تقله يده، لعلة به، فيقول كما قال صخر بن عمرو عند ذلك:
أَهُم بفعل الحزمِ لو أستطيعُه = وقد حيل بين العير والنزوانِ
فإن قلت: لا شك أن المفسرين نقلوا كل ما بلغهم من وجوه التفسير، ولم يتعرض أحد منهم لما ذكرت، فدل على أنه غير معتبر، ويؤكد ذلك أنهم تتبعوا ألفاظ القرآن ومعانيه، فلم يتركوا منها شيئًا إلا تكلموا عليه، فإخلالهم مع ذلك بهذا القانون الذي زعمت: أن لا سبيل إلى الانتصاف من علم التفسير بدونه بعيد جدًا.
قلت: نقل المفسرون كل ما بلغهم من وجوه التفسير، وعدم تعرضهم للقانون الذي ذكرته لا يدل على عدم اعتباره، لجواز أنهم نقلوا ما نقلوه، ليعتبر بالقانون المذكور، ألا ترى أن رواة الحديث نقلوا كل ما بلغهم منه: من صحيح وسقيم، ثم إن جهابذة النقد منهم وضعوا للحديث قانونًا معتبرًا اعتبروا به أحوال الرواة، ونقحوا به إحكام الروايات، حتى عرف السقيم من الصحيح، والمعدل من الجريح، واتضح المبهم، وفصح الأعجم، وزال الإشكال، وارتفع الإجمال، ثم إن الفقهاء تسلموا
الحديث من أهله، وفيه المتعارض والموهم، للتناقض، فانتدبت له نقادهم وهم الأصوليون، فوضعوا له قانون الأصول، فاعتبروه منه، فأزالوا تعارضه، ونفوا تناقضه، بحمل مطلقه على مقيده، وعامه على خاصه، وإعمال ناسخه، وإهمال منسوخه، فاستخرجوا بذلك لأنفسهم أقوالًا في الفقه متعارضة، وآراء مختلفة متناقضة، فتسلمها أهل كل مذهب عن إمامهم فاجتهدوا فيها باعتبارها قوانين ذلك الإمام، وقواعد مذهبه، تارة بتقرير النصين، وحملها على اختلاف حالين، وتارة بطرد القولين بالنقل والتخريج في المسألتين، حتى جعلوا له مذهبًا واحدًا، الفُتيا عليه لا تكاد تختلف، ولم يقل أحد: إن نقل المحدثين، والأئمة، والفقهاء لجميع ما صار إليهم، دليل على عدم اعتبار القوانين المميزة لما يجب إعماله مما يجب إهماله، كذلك ههنا ولا فرق. ثم إنا ما رأينا، ولا سمعنا، ولا عقلنا أن أحدًا يفتح طريقًا إلى مقصد نجيب يُوصل إليه قطعًا، وهو سهل سمح خالٍ من حجر، وخطر، وعارض سوء، يقال له: إن أحدًا ممن تقدمك لم يفتح هذا الطريق، وذلك دليل على أنه غير موصل إلى المقصود به، إذ هذا استدلال بالجهل، أو العدم على العلم الموجود، ومن الجائز غفل عنه المتقدم