فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 150

الرابع: قد اشتهر غلبة بعض المجازات على حقائقها، يعني: أنها صارت أبلغ في الإفهام، وأسبق إلى الأفهام، نحو قوله تعالى: {والصبح إذا تنفس} ، إذ هو أبلغ وأظهر وأخص من انتشر، لتضمنه تشبيه الليل بالجسد الكثيف المظلم، والصبح بظهور النفس اللطيف المشرق، لصدوره عن النفس المشرقة عقلًا، وأيضًا تشبيه انتشار الصبح شيئًا فشيئًا بظهور النفس كذلك.

واعلم أنه إنما يعدل إلى المجاز للاتساع، والتشبيه والتوكيد،، نحو: {وأدخلناه في رحمتنا} ، فاتسع بزيادة الرحمة في أسماء الجهات، وشبهها بالمظروفات، وأكد بتصييره ما لا يدرك حسًا، مدركًا به، كقول القائل: لو تشخص المعروف لرأيتموه حسنًا، ولو تشخص المنكر لرأيتموه قبيحًا.

فمتى عدمت هذه الأوصاف، تعينت الحقيقة لأصالتها، وعدم الفائدة في العدول عنها.

والخامس: إذا كثر المجاز لحق بالحقيقة في اشتهاره، حتى تخفى حاله، فلا يظهر إلا

[الإكسير في علم التفسير: 100]

بنظر دقيق، ولهذا كان أكثر اللغة مجازًا، ويتوهم حقيقة نحو: قام زيد، وقعد عمرو، وجاء بكر، وذهب بشر، أي: وجد منه القيام، والقيام مصدر، والمصدر جنس يشمل الماضي والحال، والمستقبل، من كل فاعل، بدليل عمل فعله، في جميع أجزائه، كمية وكيفية نحو: قمت قومة، وقومتين، وثلاث قومات، وقيامًا حسنًا، وقبيحًا وأنا قائم، وسأقوم أنا، وسائر الناس، ومع ذلك فلم يوجد من زيد جميع أنواع القيام، وكذلك ضربت زيدًا، وقطع الأمير اللص، فإنك إنما ضربت بعضه، وقطع بأمره، ولهذا يحترز من أراد التحقيق بالبدل والتأكيد، نحو: ضربت زيدًا رأسه أو جانب وجهه الأيمن، وقطع الأمير نفسه يد اللص، ووقوع التأكيد في اللغة أقوى دليل على شياع المجاز فيها، ولهذا أفرده النحاة باب، لكونه مهمًا كسائر الأبواب المهمة.

وهذا بحث مليح، إلا أني سمعت بعض النحاة ينكر أن المصدر جنس، فيسقط الاستدلال بالصورة الأولى، ويؤكده، أن قام زيد معناه: وجد منه القيام، والنكرة لا تفيد الجنسية.

أو وجد منه القيام، وتكون اللام للمعهود، وهو قيامه المختص به بالقوة.

أو يقول: القيام يفيد الماهية لا الجنس، والماهية يكفي في صدقها ثبوتًا وجود فرد من أفرادها، والله أعلم.

[الإكسير في علم التفسير: 101]

الباب الثاني

وفيه فصول

[الإكسير في علم التفسير: 103]

الفصل الأول

في الألفاظ

وهي ضربان: مفردة، ومركبة. ولكلّ منهما صفات تستحق بها رتبه الحسن والجودة.

أما المفردة: فصفاتها التي تستحق بها ذلك، ست:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت