فهرس الكتاب
الفرعية، فاعتبر هذا الأصل، بمخارج الحروف؛ فالألف من أقصى الحلق، فهي أقرب إلى الخفاء ما اشتهر في الصدور، والياء تليها؛ إذ هي من وسط الفم، والواو
[الإكسير في علم التفسير: 126]
بعدها إلى جهة الظهور، وأيضا فإن الألف حلقية هوائية لا عمل فيها لعضو، والياء فيها عمل للسان وحده، والواو تعمل فيه الشفتان جميعًا، وما كثرت آلات حركته، كان أثقل، وأيضًا فإن المريض يستريح بالسكون، ويتعب بالحركة، والصحيح يبادئ بالحركة العنيفة، بخلاف الخفيفة، وكل هذا براهين ظاهرة على ترتيب الخفة والثقل في الحركات المذكورة على ما ذكرنا.
الوجه الثاني: من جهة الحكم: وهو أن العرب نقلت الأثقل إلى الأخف، وقد قلبوا الواو والياء إلى الألف في نحو: قال، وباع، إذ أصلهما قَولَ، وبَيَعَ، فدل على أنه أخف منهما، ولا يراد على هذا نحو:"حماليق"حيث الياء فيه بدل من ألف"حملاق"؛ لأن الإبدال هنا ليس من جهة النقل، بل لئلا يخرج هذا الجمع من القياس؛ إذ أصله"حمالاق"ولا يطرأ في كلامهم؛ إذ ليس لهم فعالال. بخلاف: قال وباع. وإما كون الياء أخف من الواو، فلوجوه:
أحدها: أن الياء تثبت في معتل الفاء، نحو:"يسر وييسر"و"يَعَر الجدي يَيْعر"بخلاف الواو في معتلها نحو:"وعد يَعِد"و"وزن يزن".
الثاني: أن مفعولًا من المعتل العين بالواو، يلزم حذف واوه، نحو:"قول مقول"و"فرس مقود"وأصله"مقوول ومقوود"بخلاف ذلك من معتلّها بالياء؛ إذ يجوز حذفها، وإثباتها، نحو:"مبيع ومعيب"وإن شئت"مبيوع ومعيوب".
الثالث: أن الواو تقلب ياء، نحو:"ميقات وميعاد وميزان"لكن هذا يعارض بعكسه، نحو:"موقن وموسر"فإن الياء فيه قلبت واوًا، ولا يدفع هذا بأن ضمة الميم في موقن وموسر وبابهما غلبت على الياء فقلبتها إلى جنسها، لا أن الياء ثقيلة في
[الإكسير في علم التفسير: 127]
نفسها؛ لأنه يجاب بمثله في باب:"ميقات"وأن كسرة الميم غلبت الواو فقلبتها إلى جنسها، لا أن الواو ثقيلة في نفسها. فعلى هذا لو ذهب ذاهب إلى أن الأخفيّة والأثقليَّة في هذه الحروف ليست ذاتية لازمة، بل هي فيه عارضة، بمعنى: أن كلاَّ منهما قد يكون في بعض المواضع أخف من بعض، لاختلاف أحوال التركيب وأبنية الكلام، لما كان مبعدا، وشاهده الوجه الثالث المذكور، والله أعلم.
وأما المركبة: فهي إما جملة واحدة، أو جمل، والجمل: إما أن يتعلق بعضها ببعض أو لا، فإن لم يتعلق، كقول علي عليه السلام:"لا مال أعوذ من العقل، ولا داء أعيا من الجهل، ولا كرم كالتقوى"لم يعتبر فيه إلا امتزاج كل جملة على حالها، إذ ارتبط بعضها ببعض، لا ارتباطها بما قبلها وبعدها من الجمل، وهذا هو الشرط في الجملة الواحدة أيضًا. وإن تعلق بعضها ببعض اعتبر الارتباط والامتزاج بين الجمل كلها، وتمكن ألفاظها، لأنها إذن كالجملة الواحدة، وبهذا ظهر التفاوت بين أصناف الكلام؛ لأن أجزاءه كلما كانت أشد ارتباطًا، كانت أدخل في الفصاحة.
فهاهنا صفتان: