فهرس الكتاب
وهي أعجمية لا عربية، لا يقال فيه {فَسَيَكْفِيكَهُمْ} و {أَنُلْزِمُكُمُوهَا} و {لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ} وهي أكثر من الخماسي؛ لأنا نقول: كلٌّ من هذه كلمات، وكلامنا في الكلمة الواحد، بخلاف قول المتنبي:
إن الكرامَ بلا كرام ٍمنهمُ = مثلُ القلوبِ بلا سُويْداواتها
فإنها كلمة واحدة، وقد استهجنت منه لكثرة حروفها. وكذلك قول بعضهم في رقعة إلى صديق له تشدق فيها:"فإذا اسلَعْلَعَتْ تلك تَحَنْبَلَتْ هذه وتَكَهْمَشَتْ". والمراد باسلعلعت: طالت من قولهم: رجل سلعلع، أي: طويل، ثم هي وحشية، ففيها إذن عيبان؛ وسبب استهجان مثل هذا وكراهته؛ حصول الكلفة على الناطق؛ لتطاول الزمن فيه، وامتداد الصوت، بخلاف ما قلَّت حروفه.
واعلم أن الاسم المجرد، إما: ثلاثي، أو رباعي، ولا يتجاوزان بالزيادة سبعة أحرف. أو خماسي، ولا يتجاوز بها ستة؛ لأنه غاية الأصول فلا يحتمل غاية الزيادات.
[الإكسير في علم التفسير: 124]
وقال لي شيخنا مسعود بن تركي القرامي: أكثر الأسماء حروفًا"فوعيلانه"وهي ثمانية أحرف بزياداتها، وحكاه عن شيخه ابن فزان النحوي.
أما الأفعال: فمجردها، إما: ثلاثي نحو: ضرب، أو رباعي، نحو: دحرج، ويبلغ بالزيادة ستة، نحو: استخرج، واغدودق، ولا خماسي فيها مجردًا؛ حطًا لها عن رتبة الأسماء؛ لفرعيتها عليها، إذ حاجتها إليها. وهاهنا صفتان أخريان:
إحداهما: كونها جارية على العرف العربي الصحيح، غير شاذة ذكره ابن سنان الخفاجي، ومنع منه ابن الأثير اشتراطه؛ لأن معنى شذوذ الكلمة أنها لم تنقل إلا عن واحد، فلا يوثق بها، وذلك لا تأثير له في الحسن والقبح. قلت: ويؤكد هذا أن الشذوذ لو أثر في قبحها، لأثر شذوذها وتواترها في حسنها، وكان يلزم أن كل لفظة نابية حسنة، وهو باطل بما سبق، ولأن فصاحة اللفظ خلوصه من التعقيد، وهذا يشترك فيه الشاذ وغيره، وذكر البحراني من شروطها: أن تكون عربية غير مولَّدة، ولا صادرة عن خطأ العامة، وقد سبق نحوا هذا.
وأن تكون جارية على مقاييس كلام العرب، وهذا نحو ما شرطه ابن سنان، لكن لم يعتبر فيه عدم الشذوذ، والله أعلم.
الثانية: بناء الكلمة من حركات خفيفة؛ لما في التلفظ بذات الحركات الثقيلة من المشقة والثقل على ما هو مدرك حسًا. وزعم ابن الأثير أنه ابتكر هذه الصفة، ولم يُسبق إليها، ولا وقع ذلك في
[الإكسير في علم التفسير: 125]
ذهنه، بل لعله لم يعلم أن سبُق بها، فظن أنه ابتكرها. وأجود مما قاله، ما ذكره غيره؛ وهو اعتدالها في حركاتها؛ إذ خير الأمور أوسطها، فالأخف والأثقل طرفان، والأعدل واسطة حسنة، وأعدلها حركتان وساكن، فإن أعوز، فثلاث حركات، وأربع حركات ثقيلة، والخمس أولى، وكذلك لا يحتملها الشعر، وأخف الحركات الفتحة، ثم الكسرة، ثم الضمة؛ لوجهين:
الوجه الأول: أن هذه الحركات أجزاء حروف العلة التي هي: الألف والياء والواو؛ ولهذه تسمى الضمة: الواو الصغيرة، وكذا الكسرة والفتحة بالنسبة إلى الياء والألف، ولأن كل واحدة من هذه الحركات إذا أشبعت، نشأت عنها الحروف التي من جنسها، نحو بمنتزاح، ومنظور، والدراهيم، وايصال، وذلك كله وارد في الشعر. والألف والواو في الخفة والثقل على هذا الترتيب، وذلك؛ لأن السكون هو الأصل، وكلما كان أقرب من الأصل، كان أخف؛ لأنه أبعد عن الزيادات