فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 150

الثاني: سلمنا ذلك، لكن لم قلت إن اللفظة في البيتين مستوية من كل وجه، وظاهره أنها ليست كذلك، إذ هي في بيت الحماسة مفردة، وفي بيت أبي تمام مثنَّاة، فلعلّ الثقل أتاها من جهة التثنية، فإنه معنى زائد على مجرد اللفظة، فتؤثر فيها ثقلًا،

[الإكسير في علم التفسير: 130]

وقد قدمنا عند ذكر اللقالق في بيت المتنبي، أن الهجنة والكراهة إنما جاءتها من حيث الجمع الذي به شابهت ما تستعمله العامة وتبتذله، ولو أفرد فقيل"لقلق"لزال ذلك، وكذا الكلام في الجور فيه على العكس، وقد سبق ذلك، والله أعلم. هذا على التقريب، فإذا أردنا التحقيق، قلنا: اللفظ والمعنى والتركيب جميعًا، إما في الرتبة العلياء، أو الوسطى، أو الدنيا. هذه ثلاثة أقسام:

اللفظ وحده في الرتبة العليا، والمعنى والتركيب، أما في الوسطى، أو الدنيا هذان قسمان. المعنى في الرتبة العليا، واللفظ والتركيب جميعًا في كلَّ من المرتبتين قسمان آخران. التركيب في العليا، واللفظ والمعنى جميعًا في العليا والتركيب في الوسطى، أو الدنيا، هذان قسمان. المعنى والتركيب في العليا واللفظ في الوسطى أو الدنيا هذان قسمان.

فالجميع خمسة عشر قسمًا متنزلة في المراتب الثلاث، وهذه القسمة تشبه تنزيل الخنائي في الفرائض. والكلام ليس قسمًا رابعًا، فإنما ذكرناه، لننظر في مواضع هذه الأقسام من مراتبه.

[الإكسير في علم التفسير: 131]

الفصل الثاني

في المعاني

وهي قسمان:

ما يستعيره المتكلم ممن سبقه إليه، وما يخترعه هو لعبور فكرته عليه عند حادث متجدد، وأمر طارئ، ويجب عليه الاعتناء بكلا القسمين بما تقدم: من إبداع المعاني الشريفة الألفاظَ الرائقة الأنيقة اللطيفة، ولا يتكل على غيره، ولا على فضيلة سبقه، فكم من معنى مستعار حسن أنيق، ومخترع قبيح غير لائق، وقد قدمنا أن المعاني أشرف من الألفاظ؛ لأنها هي المقصود بالذات، ونزيد هنا من وجهين:

أحدهما: أن المتكلمين يستوون في معرفة الألفاظ، ويتفاوتون في رتبة البيان، وما ذلك إلا لتفاوتهم في المعاني.

الثاني: أن مقصود علم البيان والبلاغة إنما يستخرج بالقوة الفكرية، والتدبر، والروية، وإنما تستخرج بها المعاني، لا الألفاظ، وإنما الاعتناء باللفظ من توابع العناية بالمعنى، كما أن الاعتناء بظرف الشيء ووعائه، إنما هو في الحقيقة بالمظروف؛ حراسة لجوهره عن تغيره وفساده. ثم إن شرف المعنى وسقوطه، من نتائج علو الهمة وسقوطها، فينبغي للمتكلم أن يجتهد فيما يدل على كيفية همته من ذلك إثباتًا ونفيًا، وربما اقتصر قوم على تنميق الألفاظ

[الإكسير في علم التفسير: 132]

وتزويقها، وأهملوا المعاني، وزعموا أن العرب تصنع ذلك فقالوا لنا: إنهم أسوة، واستراحوا إلى قول الشاعر:

ولما قضينا من مِنىِّ كلَّ حاجة = ومسَّح بالأركان مَن هو ماسحُ

أخَذْنا بأطرافِ الأحاديث بيننا = وسالتْ بأعناقِ المطيِ ّالأباطحُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت