فهرس الكتاب
قالوا: وهذه ألفاظٌ مطربة، وللألباب مذهبة، لحسنها وبهجتها ورونقها، ولا طائل من المعنى تحتها؛ إذ حاصل معناها: أنا لما فرغنا من الحج، ركبنا الطريق راجعين نتحدث على ظهور دوابنا.
والجواب أنا لا نسلم أن العرب راعت اللفظ، وأهملت المعنى، وإنما هذا كلام من لم يدرك مغزى كلامهم، كيف وزهير بن أبي سلمى، كان لا ينشد قصيدة حتى يمضي لها بعد إتمام نظمها سنة، فتتضح معانيها، وتهذب ألفاظها؟ ولهذا صار كلامهم أصلًا يبنى عليه، ويفزع في محافل الحاجات إليه، ثم لو صح ما ذكروه من مساواتهم للعرب في تنميق اللفظ، وإهمال المعنى، لوجب أن لا يكون بين كلامهم وكلام العرب تفاوت في الرصانة والشرف، وإجماع أهل الصناعة اللسانية، أن كلام العرب لا يساويه غيره.
وأما ما ذكروه من البيتين اللذين زعموا أن لا طائل لمعناهما، فوهم بَيِّن، وخطأ فاحش، ومن أنعم النظر فيهما، علم أن معناهما أشرف من لفظهما، ولنشر إلى يسير من ذلك، فنقول:
هذا الشاعر عاشق مغلوب، وهو مع ذلك متستر، فلما غلبه العشق على أن قال"قضينا من منى كل حاجة"يشير إلى اجتماعه بمحبوبه، وقضائه وطره منه، تدارك أمره سريعًا، فقال:"ومسح بالأركان من هو ماسح"ليوهم السامع أن حاجتنا التي قضيناها.
[الإكسير في علم التفسير: 133]
من منى، إنما هي مناسك الحج، ثم غُلب مرة أخرى، فقال:"أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا"كناية عن أنه خلا بمعشوقه في رجوعه عن منى أيضًا، لكن لم يتمكن من بثه كل ما عنده من أفانين الشوق إليه، والوجد به والمحبة له، لضيق زمن الاجتماع به، وقرب زمن الفرقة، فأخذ يبادر من المفارقة، فبثه من كل فن من تلك الفنون طرفًا منه، ثم أحب الاستتار والتكتم، فشعب عما هو فيه بذكر الأباطح، وكثرة الناس فيها، فقال:
وسالت بأعناق المطي الأباطح
موهمًا أن أخذنا بأطراف الأحاديث، إنما هو على عادة الركبان في تحدثهم على ظهور دوابهم، لا شيء وراء ذلك. ولعمري إن من لا يفهم ولا يستحسن هذه المعاني فهو في أسر الجهالة عان، ولكن هؤلاء القوم لما لم يفهموا معاني كلام العرب، نسبوا إليهم الإهمال فيها، فجهلوا وأخطؤوا، وجدير بمن لا يفهم أن يخطئ، فإن العلم والإصابة من نتائج الفهم والدراية، والله أعلم.
[الإكسير في علم التفسير: 134]
الفصل الثالث
الكلام المنثور والمنظوم
اختلف في الكلام المنثور والمنظوم، أيهما أفضل؟ والذي اختاره ابن الأثير تفضيل المنثور، واحتج عليه بوجوه:
الأول أن القرآن أعلى الكلام، وأسلوبه النثر، فدل على أنه أعلى الأساليب، ويؤكده أن القرآن نزل معجزًا، والإعجاز إنما يكون بأصعب الأشياء وأشقها، قياسًا على سائر المعجزات في أزمتها، فدل على أن أسلوب النثر أصعب وأشق من أسلوب النظم، والآتي بالأشق أفضل، بالمعقول والاستقراء.