فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 150

الثاني: أن الناظمين من العرب وغيرهم كثير جدًا، والناثرين قليل جدًا؛ إذ لم يسمع لأحد منهم نثر، إلا"قسّ بن ساعدة"ولهذا ضرب به المثل في الفصاحة والبلاغة، وذلك لأفضلية أسلوبه الذي هو النثر، لأن الرتب العالية، والمناصب السامية، إنما يدركها النادر من الناس، كالمشاهير بالشجاعة، علي وعمرو، والكرم كحاتم وكعب. واعترض على الأول بأن نزول القرآن على أسلوب النثر لا يقتضي أفضليته، بل مفضوليته، وذلك لأنه لما كان أسهل عليهم من النظم أنزل القرآن على أسلوبه، بحيث إذا تبين عجزهم عن معارضة الأسهل، علم أنهم عن معارضة الأصعب أعجز، كما أنه

[الإكسير في علم التفسير: 135]

تحداهم أن يأتوا بمثله، ثم بعشر سور منه، ثم بسورة منه، بحيث إذا عجزوا عنها كانوا عن أكثر منها أعجز. وإنما قلنا: إن النثر أسهل عليهم، وهو الاعتراض على الوجه الثاني؛ لأنهم صرفوا عنايتهم إلى النظم عنه، واستفرغوا وسع قرائحهم فيه، إظهارا لقوتهم في الفصاحة والبلاغة. والعادة جرت في مقام الافتخار وإظهار الفضيلة، وإنما تعتني بالأصعب فالأصعب، كما أنه إنما يظهر فضله في الفروسية في قيادة الفرس الجواد الجموح دون البرذون، وفي الشجاعة بمبارزته الشجاع دون الجبان، وفي قتل أسد لا سنّور، وجرأته في خوض المفاوز المخوفة في ظلام الليل، دون شوارع القرى، وأزقة المدن نهارًا، وفي حمله الثقل، يحمل ألف رطل، لا في حمل خمسة أرطال. وأجاب عن الأول، بالقياس على سائر المعجزات، كإحياء الموتى، وانشقاق البحر، ونبع الماء من الحجر، فإنها كانت أصعب الأشياء على أهل زمانها، وهذا ضعيف لأن معجزات الرسل وردت من جنس ما كان يتعاناه أممهم، ويفتخرون به، وهو عظيم عندهم، كالناقة لأهل الإبل، وقلب العصا حيّةً لأهل السحر، وإحياء الموتى لأهل الطب، والفصاحة لأهل اللسان، وذلك لا يمنع تحدي بعضهم بأسهل مما عندهم، مبالغة في إظهار عجزهم. وأجاب عن الثاني: بأن إكثار العرب من النظم دون النثر، دليل على مشقته، وسهولة النظم، لأن الإنسان إنما يكثر مما يسهل عليه، ويقل مما يعذر عليه، وهذا ضعيف من وجهين:

أحدهما: منع ما ذكر بأن الإنسان قد يصرف همته إلى الأصعب حتى يصير عليه أسهل من الأسهل؛ لإلف نفسه له، وحصول الملكة لها به، كالكاتب يألف قلم النسخ، والخياط يألف خياطة الحرير والخز، فيصير أسهل عليهما من قلم الثلث،

[الإكسير في علم التفسير: 136]

وخياطة الصوف والقطن، وكصائم الدهر، يألف الصوم فيسهل عليه، حتى لو أفطر لوجد للإفطار مشقة، ولهذا كان صوم يوم ويوم أفضل؛ لما في سرد الصوم من السهولة المزيلة لمقصود العبادة ومقتضاها، وإلى مثل هذا أشار المتنبي بقوله:

وكأنها خُلقَتْ قيامًا تحتهمْ = وكأنهم خُلقوا على صهواتها

يصفهم بأنهم صاروا أشد إلفًا لركوب الخيل منهم لوجه الأرض، فصار أسهل عليهم.

الوجه الثاني: أن ابن الأثير قال في استعمال وحشي الكلام وغيره: الناظم فيه أعذر عندي من الناثر، لتقيده يقيد القافية، وإطلاق عنان الناثر، وهذا مناقض لاختياره هنا، ودعواه أن النظم أسهل.

الثالث: أن الناثر يمكنه الإتيان بمعنىّ في لفظ، لا يمكن الناظم الإتيان به، إلا في أكثر من ذلك اللفظ؛ لحكم الوزن والقافية عليه، فتكون زيادة ألفاظه إذن هذرًا؛ لإمكان الاستغناء عنها، وما خلا من الهذر والحشو، وما لا حاجة إليه أفضل مما تضمنه واشتمل عليه وجوابه من وجهين:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت