فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 150

أحدهما: المنع؛ إذ كمْ من نظم أخصر لفظًا وأنشط معنى من نثر، وهذا

[الإكسير في علم التفسير: 137]

الشاطبي قد نظم التفسير وزاد عليه كثيرًا، وقصيدته جزء يسير من التفسير، وإنما يختلف باختلاف قوة الناظم والناثر وتمكنهما في صناعتهما.

الثاني: أن ما ذكره يقتضي أن النظم أصعب، وقد سبقت دعواه لخلافه، وهذا تهافت.

الرابع: أن النثر لا يقوله إلا من حصل آلاته المعتبرة، المقدم ذكرها، والنظم قد يقوله السوقة والعامة ممن لا أنس له بذلك. وجوابه: أن المقابلة هنا ليست بين كلام فضلاء البلغاء، وشعراء السوقة، فإنه هذيان في الغالب، بل بينه وبين شعر فضلاء الشعراء، كأبي تمام، والبحتري، والمتنبي، وشعر هؤلاء وأمثالهم لا يحصل إلا بعد تحصيل آلات النثر، وما يختص به النظم.

ولئن سلمنا وجود شعر صحيح من عاميّ، على وجه الندرة، فهو دليل على أفضلية النظم، وأن النفوس إليه أميل، والطباع له أوثق، ولهذا اختص من التأثير في النفوس، مما ليس للنثر، ولا يقدح هذا في دعوانا، أنه أصعب من النثر، لما بينا من أن صرف العناية إلى الشيء تسهله جدًا.

الخامس: أن الناثر تعلو درجته حتى ليبلغ منصب الوزارة، وذلك دليل أفضلية صناعته ونفاقها والشاعر لا يفارق رتبة الشحاذين؛ الطالبين لما في أيدي الناس، وذلك دليل مفضولية صناعته وكسادها، واستغناء الناس عنها.

وجوابه من وجوه:

أحدها: منع هذا التفاوت بينهما مطلقًا؛ فإن منشأ الشعر وينبوعه، إنما هم العرب وأكثر أهله كانوا ملوكًا وعظماء، وأكابر، ورؤساء، كامرئ القيس، وعمرو

[الإكسير في علم التفسير: 138]

ابن هند، والحارث اليشكري، وغيرهم من الجاهليين والإسلاميين، الصرحاء والمخضرمين، وأعلاهم منصبًا الخلفاء الأربعة، وكلهم قال الشعر ورواه، وهذا يزيد بن معاوية عريق في الملك، وشعره من أحسن الشعر، وإنما كثر الطلب في شعر المحدثين وهم عبرة بحالهم، كما لا احتجاج على اللغة بشعرهم.

الثاني: ليت شعري، أي فضيلة لرتبة الوزير؟ وهل هو إلا غلام يؤمر وينهى في اليوم مرارًا، ويكتب يقبل العتبة الشريفة، ولعل الشاعر يدخل على الملك فيأمره في شعره وينهاه، وقد يأخذ منه بسطوة لسانه، كما يأخذ هو بسيفه وسنانه.

الثالث: سلمنا التفاوت بينهما في الرتبة، لكن لا نسلمه في الفضيلة، فكم من وزير دائص إذا دخل الشاعر إليه سخر منه، وضحك عليه، وعلى من استوزره واللبيب لا ينظر الناس بالبصر، بل بالبصيرة، ولا ينظر إلى صورهم، ولا إلى كمالاتهم الصورية الحيوانية، بل إلى كمالاتهم المعنوية النفسانية، فإن الفرد يرفع على حشيّة عالية على رؤوس الناس؛ ليسخروا منه، وقد قال القائل:

ما إن نزال ببغداد تزاحمنا = على البراذين أمثالُ البراذين

يشير إلى أنه ركب الخيل من يستحق أن يمشي راجلًا.

وقال الآخر في تعتبه على الزمان، وأنه رفع غيره من المفضولين عليه، ونام عنه، وتنبه لهم:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت