فهرس الكتاب
[الإكسير في علم التفسير: 139]
لعله إن بدا فضلي ونقصهم = لعينه نام عني أو تنبه لي
الرابع: قوله: الناثر يصير وزيرًا، والناظم لا ينفك شحاذًا، إن عنى به أن ذلك لازم مطرد، فهو باطل؛ إذ كم رأينا من تأثير شحاذ، لا وزير، ولا كاتب. وإن عنى به: أنه قد وقد، فلا فرق؛ إذ يستويان في ذلك.
وإن عنى الطالب ما ذكره، فقد سبق جوابه، وسيأتي.
الخامس: أن نفاق الصنعة قد يكون للضرورة إليها، دون غيرها، لكن ذلك لا يدل على أفضليتها؛ ألا ترى أن الأبنية المشيدة، المزوقة، الموضوعة على أصول الهندسة، لا ضرورة بالناس إليها، وهم إلى اللبن والطين أميل، واستعمالهم له أكثر، وهو فيه أنفق، ومع ذلك، فإذا حصل البناء المزوّق، المشيد، المحكم، كان في النفوس أنفس؛ لكونه أرفق بالميت، وثمنه أغلى، وأكثر، وأهل البناء فيه أرغب، فكذلك النثر مع النظم، وقد يكون للقصور عن غيره، مع تطلع النفس إليه، كمن يأكل البصل؛ لعدم قدرته على العسل، ويركب الحمار؛ لعدم الفرس، فهذا يدل على مفضولية النافق لا أفضليته. وقد حكي عن ابن المقرب البحراني، وكان من فحول الشعراء المتأخرين"أنه قصد رجلًا؛ ليمدحه، فبعث إليه الرجل المقصود في بعض الطريق بشيء يسير، وناشده الله، والرحم أن يرجع عنه معتذرًا بأني لا أجد سعة أكافئ بها مدحك، ولا أرضى أن تفد علي، وترجع بما لا يكافئك"، فهذا قد رغب عن شعر هذا الشاعر، لفضيلته، وشدة الرغبة فيه، على تقدير مكافأته. وقد صنّف في فضائل الشعر كتب.
[الإكسير في علم التفسير: 140]
وقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم لحسان وقال: (( اللهم أيّده بروح القدس ) )وقال للنابغة الجعدي: (( لا يفْضُضِ اللهُ فاك ) )وقال للناثر عدي بن حاتم: (( بئس خطيب القوم أنت ) )وهذا لم نورده على جهة الاستدلال، بل على جهة الاستئناس، وما ورد في ذم الشعر من الظواهر فمتناول والله أعلم.
[الإكسير في علم التفسير: 141]
الجملة الثانية
في أحكامه الخاصة
وفيها بابان
[الإكسير في علم التفسير: 143]
الباب الأول
في الفصاحة والبلاغة
واعلم أنهما لثبوت إعجاز القرآن الكريم بهما، لا يكفي فيهما قول مهمل، ولا كلام مجمل، فيحتاج فيهما إلى كلام مفصل، وتحقيق فيصل، وفيهما أبحاث:
الأول: الفصاحة: خلوص اللفظ من التعقيد الموجب لقرب فهمه، ولذاذة استماعه؛ وذلك باشتماله على صفاته المتقدمة.
واشتقاقها من الفصيح: وهو اللبن إذا أخذت رغوته، وذهب لباه.