فهرس الكتاب

الصفحة 61 من 150

المعهود لنا بالمعهود، والخفي عنا بالظاهر لنا، فالبيض من حيث المعهود به والظهور لنا أكمل من الحور؛ إذ إدراكنا لهن بالوهم والتخيل، وإدراكنا للبيض بالحس

[الإكسير في علم التفسير: 169]

والمشاهدة، وهو أقوى، ومن هذه الجهة وقع التشبيه، لا من حيث التفاوت الحقيقي، وقد يكون إلحاق الكامل بالناقص على جهة التخييل والتمويه، يجعل الناقص أصلًا مبالغة وصفه بالصفة المشبهة بينهما ويسمى التشبيه المعكوس، وغلبة الفروع على الأصول، فمنه قول ذي الرُمة:

ورملٍ كأوراك العذارى قطعتُه = إذا ألبِسته المظلماتًُ الحنادسُ

وقول الآخر:

وبدا الصباح كأن غرته = وجهُ الخليفة حين يُمتدح

والعادة تشبيه لردف بكثيب الرمل، والوجه بالبدر، فعكس ذلك بتصيير الأصل فرعًا، والفرع أصلًا، مبالغة.

ونحو قول بعضهم:

في طلعة البدرِ شيء من محاسنها = وللقضيب نصيبٌ من تَثنيها

وقد يكون الجمع بين شيئين في مطلق الصورة، كتشبيه الصبح بغرة الفرس الأدهم في ظهور بياض قيل في سواد كثير، ومثل هذا يجوز عكسه.

كقول بعضهم في صفة الفرس:

[الإكسير في علم التفسير: 170]

وجهه صبح ولكن = سائر الجسم ظلام

الخامس: أقسام التشبيه كأقسام المستعار:

إما تشبيه محسوس بمحسوس، كتشبيه الخد بالورد، والوجه بالقمر، وقول الشاعر:

يوم كأن سماءه = حُجبت بأجنحة الفواخت

أو معقول بمعقول، كتشبيه، بعض المعاني ببعض، كالعشق والشباب بالسحر أو الجنون ومن هذا القبيل قوله:

كأن ابيضاض البدر من تحت غيمه = نجاء من البأساء بعد وقوع

وجعله البحراني مثالًا لتشبيه المحسوس بالمعقول، وهو وهم؛ لأن الابيضاض لا يحس، وإنما يحس المبيض، وهو البدر.

وكذا تشبيه تثني القد بتثني الغصن، أو اهتزازه، أو اعتداله باهتزاز الريح أو اعتدالها، ونحوه، كل ذلك من تشبيه المعقول بالمعقول، إذ المحسوس المتثنيان، لا التثنيان، فتنبه لهذا فإنه مزلة قدم.

أو تشبيه معقول بمحسوس: كتشبيه العلم بالمطر في قول لقمان لابنه:"إن الله تعالى يحيي القلوب بالعلم، كما يحيي الأرض بوابل المطر"وكتشبيه الذهن الجيد، والسمع، بالنار، وحد السيف، وذكر البحراني من أمثلة هذا القسم قول علي لمروان"أما إن له إمرة كلعقة الكلب أنفه"وهو وهم؛ إذ اللعقة: حركة اللسان، وليست محسوسة، إنما المحسوس اللسان اللاعق، والأنف الملعوق، فهذا إذن من أمثلة القسم الثاني: وهو المعقول بالمعقول.

[الإكسير في علم التفسير: 171]

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت