فهرس الكتاب
استشفع فلان إلى أمير المؤمنين، ليتطول بإلحاقه بنظراته، فأعلمته أن أمير المؤمنين لم يجعلني في مراتب المستشفعين، وفي ابتدائه بذلك تعدي طاعته"فوقع المأمون: قد عرفنا تصريحك له، وتعريضك لنفسك، وقد أجبناك إليهما."
ومنها قول الشاعر:
بني عمنا لا تذكروا الشعر بعدما = دفنتم بصحراء الُغمير القوافيا
تعريض لهم: بأنا غلبناكم بذلك المكان، فلا وجه لافتخاركم علينا في الشعر بعدها؛ فإنه لا ينفعكم، فصار كالميت المدفون. ونظائر هذا كثيرة.
النوع الثالث: التشبيه
وفيه أبحاث:
الأول: في تعريفه: وهو إلحاق أدنى الشيئين بأعلاهما في صفة اشتركا في أصلها، واختلفا في كيفيتها قوة وضعفًا، ومثاله واضح، ويتضح بما سيأتي.
الثاني: أركانه أربعة: المشبه به كالأسد في قولنا:"زيد كالأسد"ثم أدخلت كاف التشبيه على إن وفتحت، فقيل:"كأن زيدًا الأسد"وصارت كأن أصلًا في التشبيه -وقد سبق في الاستعارة أن قولهم:"زيد أسد"من قبيل التشبيه-
وأما تشبيههم بمثل نحو:"زيد مثل الأسد"فهو مبالغة فيه مجازًا؛ إذ المماثلة هي الاتفاق في الذات والصفات، والمشابهة: اتفاق في بعض الكيفيات.
الثالث: الصفة التي بها النسبة.
إما إضافية، كقولك:"حجة الشمس"أي: في الوضوح،"وألفاظ كالماء"أي: في
[الإكسير في علم التفسير: 168]
السلاسة،"وأخلاق كالنسيم"أي: في الرقة والسهولة؛ لأن هذه قد تكون كذلك بالنسبة إلى شخص دون شخص.
أو حقيقية، ثم هي: إما نفسانية، كالجود والحلم في قولهم: هو كحاتم جودًا، وكقيس حلمًا.
أو جسمانية، ثم هي إما غير محسوسة: كالبلادة والشجاعة والطول في قولهم هو كالحمار بلادة، وكعمر شجاعة، وكالنخلة طولًا، أو محسوسة بحس البصر: كتشبيه الخد بالورد، أو بحس السمع: كتشبيه الصوت المنكر بصوت الحمار، أو بحس الشم: كتشبيه الأراييح الطيبة بريح المسك، أو بحس الذوق: كتشبيه الطعوم اللذيذة بطعم السكر، أو بحاسة اللمس: كتشبيه الجسم الناعم بالخز لينًا، والخشن بالمِسح خشونة.
الرابع: للتشبيه فائدتان:
إحداهما: الإيجاز: إذ قولنا"زيد أسد"أو"كالأسد"أوجز من قولنا"زيد شجاع، شديد الشجاعة."
والثانية: المبالغة، إذ مراتب الصفات تتفاوت، فحملها على موصوفاتها بدون التشبيه، لا تفيد ما تفيد معه.
مثاله: قولنا"زيد شجاع، شديد الشجاعة"لا يفيده فائدة قولنا:"زيد أسد"؛ لاختلاف مراتب الشجاعة، إذ قد يكون شديد الشجاعة، ولا يبلغ رتبة الأسد فيها.
ثم الغرض بالتشبيه قد يكون إلحاق الناقص بالكامل كما تقدم، وهو الأصل، ومن ظن أن قوله تعالى في صفة الحور العين {كأنهن بيض مكنون} يشبه الكامل بالناقص؛ إذ الحور أشد بياضًا وحسنًا من البيض فقد وهم؛ إذ هذا تشبيه غير