فهرس الكتاب
والقبيح منها: ما أخفي لفظه، وظهر معناه؛ لدلالة عقل أو عرف، كقول المتنبي.
إني على شغفي بما في خُمرها = لأعف عما في سَراويلاتها
فالتصريح بهذا خير من الكناية عنه؛ إذ كل أحد يعلم أن الإشارة بما في سراويل المرأة إلى ذلك منها. وأين هذا من قول الشريف الراضي:
أحن إلى ما تضمر الخُمر والحلى = وأصدف عما في ضمان المآزر
فإنه، أي: بالمعنى يعنيه في ألطف وأحسن وأبين ما يكون من الكنايات.
وأما التعريض الذي رخص الله تعالى فيه في خطبة العلماء، وفسره العلماء بأنه قول الرجل لها:"إني في مثلك لراغب ولا تفوتيني، أو تسبقيني بنفسك وإنك لجميلة وإن بي حاجة إلى النساء"، وتجيبه:"ما نرغب عنك، وإن قضي شيء كان". ويروى أن امرأة عرض لها رجل بذلك، وهي -سافرة- في حيازة زوجها، فقالت:"سبقك غيرك".
ومنها قول نوح عليه السلام له: {ما نراك إلا بشرًا مثلنا} فإنه تعريض بكونهم أولى بالرسالة منه، بدليل قولهم بعد: {وما نرى لكم علينا من فضل} أي: فلو أن لدعواك الرسالة أصلًا، لأرسل الله إلينا دونك والذي يتحقق فهمه من هذه الآية: دعواهم نفي رسالته، أما دعوى أولويتهم بالرسالة ففيه تردد.
ومنها قول إبراهيم عليه وسلم لقومه: {بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون} وهو تعريض لهم بتجهيلهم، وتسفيه أحلامهم من وجهين:
[الإكسير في علم التفسير: 166]
أحدهما: أن آلهتكم إن سألتموهم عن ذلك لا ينطقون، وعبادة ما لا ينطق جهل وسفه.
الثاني: أن كبير آلهتهم غضب من عبادتكم ما دونه، فكسرها، تعريضًا بأن الله تعالى أولى بالغضب من عبادتكم ما دونه، وهذا تعريض قياسي.
ومنها قوله عليه السلام - وهو محتضن أحدَ ابني ابنته: (( والله إنكم لتُجَبَنُون وتُبَخلون وتُجهلون، وإنكم لمن ريحان الله، وإن آخر وطأة وطئها الله بَوِج ) ).
يعرض صلى الله عليه وسلم بذلك بقرب وفاته، ومفارقته بنيه الذين هم من ريحان الله وأهله"."
وبيانه: أن الوطأة: الشدة، ومنه: (( اللهم اشدد وطأتك على مضر ) ). ووج وادٍ بالطائف، والإشارة به إلى غزاة حنين، وهو واد قبل"وج"وآخر وقعة أوقعها الله بالمشركين على يدي رسوله صلى الله عليه وسلم به، وما بعدها من الغزوات، فهي مجرد خروج وتوجه، لا قتال فيه، وكانت غزاة حنين في شوال سنة ثمان، ووفاته عليه الصلاة والسلام في ربيع الأول سنة إحدى عشرة، وبينهما سنتان ونصف، فتقدير الكلام: إنكم لمن ريحان الله، وإني مفارقكم عن قريب، لأن المقصود بإخراجي إلى الدنيا، تمهيد الدين والشريعة، وقد مهدت، وآخر ما كان من مهماتها وطأة الله على المشركين بوج، وقد انقضت، فأنا إذن مفارقكم، وهذا من غرائب التعريض.
ومنها ما كتبه عمرو بن مسعدة إلى المأمون في حق أصحابه، أما بعد. فقد
[الإكسير في علم التفسير: 167]