فهرس الكتاب
ومنه قوله تعالى: {فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار} أي: فاتركوا العناد، وآمنوا. فاحذروا سخطي، أي: فأطيعوني، فعدل إلى مرادف الطاعة؛ وهو
[الإكسير في علم التفسير: 163]
حذر السخط. ومنه قول بعضهم:
وَدِدْت وما تغني الودادةُ أنني = بما في ضمير الحاجِبِيِة عالمُ
فإن كان خيرا سرني وعلمتُه = وإن كان شرًا لم تلمْني اللوائم
أي: وإن كان شرا هجرتها، فلم يصرح به بل ذكر دليله ومرادفه عدم توجه اللوم.
ومنه قول الأعرابية في حديث أم زرع تصف زوجها بالكرم:"له إبل قليلات المسارح، كثيرات المبارك، إذا سمعن صوت المزهر أيقَن أنهن هوالك". فذكرت ما يرادف الكرم، والله أعلم.
الضرب الثالث: المجاورة، وهي: العدول عن الشيء إلى ذكر مجاوره، كقول عنترة:
بزجاجةٍ صفراءَ ذات أسرة = فُرنت بأزهرَ في الشمالِ مفدم
أراد بالصفراء: الخمرة، وصرح بذكر الزجاجة لمجاورتها لها. وفيه نظر؛ إذ الخمرة حمراء لا صفراء، والزجاجة إلى الصفرة -لاسيما إذا اشتملت على الخمرة- أقرب وأنسب، والمثال الصحيح قوله:
فشككتُ بالرمح الأصم ثيابه = ليس الكريمُ على القَنا بمحرم
[الإكسير في علم التفسير: 164]
أراد بثيابه: نفسه، وقيل: قلبه، وعلى نحوه فسر بعضهم قوله تعالى: {وثيابك فطهر} أي فطهر قلبك، أو نفسك، أو بدنك، فعدل إلى ذكر الثياب المجاورة لذلك.
الضرب الرابع: ما ليس بشيء من الأضرب المتقدمة، بهذا ترجمه ابن الأثير وأنا أترجمه بالكناية عن الشيء ببعض ما ينسب إليه من عادة أو طبع.
كقوله تعالى: {أو من ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين} كنى عن النساء بملازمتهن التحلي، وهو من عادتهن، وبالعي وعدم الإبانة في الخصام، وهو من طبعهن وجبلتهن، لضعف قوتهن العقلية.
ومن ذلك قول أبي النواس:
تقول التي من بيتها خف مركبي = عزيز علينا أن نراك تسير
كنى بذلك عن امرأته، إذ العادة أن مركب الشخص إذا سافر إنما يخف من بيته امرأته، وذكر ابن الأثير من هذا الضرب قول نصيب:
فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله = ولو سكتوا أثنتُ عليك الحقائب
وليس منه، بل من قبيل الإرداف، إذ معناه: لو سكتوا عن الثناء عليك، كذبتهم حقائبهم التي ملئوها من إنعامك وجوائزك.
وسماه تكذيبًا مجازًا؛ لدلالته على كذبهم، فعدل عن لفظ التكذيب إلى ملزومه وهو ثناء الحقائب فاعرفه.
[الإكسير في علم التفسير: 165]