فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 150

فيه. وقيل المثلية هنا راجعة إلى الصورة الذهنية؛ إذ لكل معلوم صورة وقع ومنزلة في الأذهان، فتقدير الكلام، ليس كصورة منزلة الله تعالى في النفوس والأذهان شيء. ذكر هذا الوجه لنا شيخنا المري وقال: هو تقرير صوفي.

[الإكسير في علم التفسير: 161]

الفرع الثالث: منه ما يقع في جواب الشرط المقدر كقولك لمن ادعى موت زيد:"أنت أخبرت بموت زيد، فهذا زيد"! أي: إن كنت أخبرت بموت زيد، فقد كذبت، فأتيت بما يرادف التكذيب في المعنى. وهو دعوى حضور زيد مع دعوى المخبر بموته، وهو من ألطف الكنايات.

ومنه قوله تعالى: {وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث} أي: إن كنتم أنكرتم البعث. فقد كذبتم؛ إذ هذا يوم البعث حاضر.

الفرع الرابع: صيغة الاستثناء الموهمة لحقيقة، وليست كذلك، نحو"ليس لفلان ظل إلا الشمس"أي: ليس له ظل أصلًا، فصيغة الاستثناء مؤكدة لنفي الظل، ومرادفة له.

ومنه قوله تعالى: {ليس لهم طعام إلا من ضريع} أي: لا طعام لهم أصلًا، ولهذا عقبه بحكمه، وهو قوله تعالى: {لا يسمن ولا يغني من جوع} .

والضريع: يابس الشبرق: وهو نبت له شوك.

ومنه قول النابغة:

ولا عَيبَ فيهم غير أن سيوفَهُمْ = بهن فُلولٌ من قِراع الكتائبِ

وقول الآخر:

وتفردوا بالمكرمات فلم يكن = لسواهم منها سوى الحرمان

أي: لا عيب فيهم، ولا شيء لغيرهم منها أصلًا، ونظائره كثيرة.

[الإكسير في علم التفسير: 162]

وتقرير هذا الفرع على الظهور والجلاء يحتاج إلى تقدير وقوع ما بعد حرف الاستثناء جوابًا لشرط مقدر على طريق التجاهل، تقديره: إن كانت الشمس ظلًا، فما لفلان ظل إلا الشمس، وإن كان فل السيف عيبًا، فلا عيب لهؤلاء إلا فلول سيوفهم، وإن كان الحرمان مكرمة، فما لغير هؤلاء سواه.

الفرع الخامس: ولم يسمه ابن الأثير بشيء، وأنا أسميه بدلالة الملزوم على اللازم. فمنه قوله تعالى: {قال الملا الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم أتعلمون أن صالحًا مرسل من ربه قالوا إن بما أرسل به مؤمنون} .

والجواب الأصلي: نعم، نعلم أنه مرسل، فعدلوا إلى ملزوم ثبوت الرسالة وهو إيمانهم به.

ومنه قوله تعالى: {عفا الله عنك لم أذنت لهم} ؟ تقديره أذنبت أو أخطأت، لم أذنت؟ فعدل عنه إلى مرادفه في المعنى وملزومه: وهو ذكر العفو، لأنه ملزوم الذنب.

ومنه قوله تعالى: {قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا} أي: كذبتم في دعواكم، فعدل عن صريح التكذيب إلى مرادفه وملزومه، وهو دعوى عدم إيمانهم رفقا بالمخاطبين في الخطاب، واستقباحا لذكر الكذب، وهو من جميل الآداب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت