فهرس الكتاب
فكنى عن الإكرام بجعله في يمناها، وعن الإهانة بجعله في شمالها، لأن اليمين أشرف من الشمال حسا وشرعا، ولذلك كنى الله تعالى عن أهل الجنة: {بأصحاب اليمين} وعن أهل النار {بأصحاب الشمال} في موضعين من سورة الواقعة: أولها وأخرها.
[الإكسير في علم التفسير: 159]
ومنه قول العرب:"إياكم وعقيلة المِلْح". وقوله عليه السلام: (( إياكم وخضراء الدمن ) )كناية عن المرأة الحسناء في منبت السوء، وتمثيلًا لها وبها، والله أعلم.
الضرب الثاني: الإرداف: وهو اسم اخترعه قدامة بن جعفر: وهو الإشارة إلى المعنى بذكر مرادفه، أي: مساويه، كما سيأتي.
وغيره جعله من قبيل التمثيل. والفرق بينهما يعرف من تعريفهما. وفروعه خمسة:
الفرع الأول: فعل المبادهة، أي: الصادر عن البديهة من غير تثبت. ومثاله قوله تعالى: {وقال الذين كفروا للحق لما جاءهم إن هذا إلا سحر مبين} .
وقوله تعالى: {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق لما جاءه} .
فالإشارة بقوله"لما جاءهم"، و"جاءه"إلى ضعف عقولهم، وسفه أحلامهم، حيث بادعوا الحق بالتكذيب والرد، ولم يفكروا ويترووا فيه تروي العقلاء المراجيح فيما يرد عليهم من الحوادث، فقد أشار إلى ذمهم بذكر ما يفيده ويرادفه.
الفرع الثاني: الكناية عن الشيء بمثله، كقول من أراد نفي قبيح عن نفسه"مثلي لا يفعل هذا". قال الشاعر:
يا عاذلي دعني من عذلكا = مثلي لا يقبل من مثلكا
[الإكسير في علم التفسير: 160]
أي: لا أقبل منك، وكقولهم:"مثلك إذا سئل أعطى"وهو كثير، وهو أسند للكلام، وأرفع لقدر صاحبه. قال ابن الأثير: لكونه يجعل نفسه من جماعة هذه أوصافهم، إشارة إلى تمكنه فيما وصف به نفسه، إذا تفرد به لم ترس فيه قدمه، كما يقال لمن يمدح:"أنت من القوم الكرام"أي لك فيه سابقة ولست دخيلًا فيه.
وعندي فيه نظر؛ لأن تفرد الإنسان بصفات المدح أسند لحاله، وأرفع من شأنه، كما يقال:"فلان جالس من الكرم على رأس سنان". وليس هذا من قبيل قولهم:"أنت من القوم الكرام"، وقولهم للعربي"العرب لا تخفر الذمم". وإنما وجهه عندي أن قول القائل"مثلي لا يفعل كذا"إشارة إلى أن نفي ذلك عني ليس لذاتي، ولا لكوني إنسانًا، بل لصفات جميلة كريمة مكملة قامت بي، فهي تقتضي نفي ذلك أو إثباته إن كان مثبتًا لشيء لنفسه، وأن كل ما قامت به هذه الصفات فهو مثلي في ذلك، وهو يكني بنفي شيء عنه، أو إثباته له، عن إثبات صفات الكمال والجمال والكرم لنفسه، ولهذا نرى العقلاء يستحيون من هذا الكلام؛ لكونه كناية عن تزكية أنفسهم بإثبات صفات الكمال لها، ولو كان كما قاله ابن الأثير، لما استحيوا من ذلك، إذ ليس فيه إلا إلحاق أنفسهم بمن يساويهم، وذلك لا يستحيا منه، إن المبادرة إلى الفهم الصحيح من هذا الكلام ما ذكرته، فأما قوله تعالى: {ليس كمثله شيء} فقيل: الكاف زائدة، وإلا لزم إثبات مثله، ونفي مثل ذلك المثل وهو محال وقيل هي على أصلها في التشبيه ومثل بمعنى ذات، أي: كذاته شيء على عادة العرب