فهرس الكتاب
وقال ابن الأثير: هو تعريض به، ولا شك أن ما ذكر في تعريف الكناية والتعريض جميعًا صادق عليه، إما أن يكونا مترادفين، أو بينهما فرق دقيق.
الثالث: أركان الكناية:
الكاني: وهو المتكلم والمكنى به: وهو المعنى المذكور لفظه، كاللمس.
[الإكسير في علم التفسير: 157]
والمكنى عنه: وهو المعنى المدرج المستور تحت اللفظ المذكور، كالجماع في الآية.
والكناية: وهي الربط بين هذين الركنين، باستعمال أحدهما، وإخفاء الآخر تحته.
وأركان التعريض كذلك: المعرض، والمعرض به، كالتزويج في قول الخاطب للمعتدة لا تفوتيني نفسك.
وما به التعريض: وهو هذا اللفظ، ونفس التعريض، وهو استعمال هذا اللفظ، لإرادة ذلك المعنى.
الرابع: الفرق بين الاستعارة والمجاز ما سبق، وبينها وبين الكناية: أن الغرض بالاستعارة المبالغة في التشبيه، وبالكناية ستر المعنى المقصود لأحد الأغراض المتقدمة.
وبين الكناية والمجاز على تعريفنا الأول لها:
هو أن المراد بها ستر المعنى المقصود بها.
والمراد بالمجاز إظهاره، إذ مقصود قولنا"زيد أسد"إظهار معنى الشجاعة، فعلى هذا، هما ضدان:
وعلى التعريف الثالث للكناية، وهو"للبحراني"الفرق بينهما: أن المعنى الأصلي في الكناية مراد أيضًا؛ لكثرة رماد القدر في المثال، بخلاف المجاز، حقيقة الأسدية في قولنا: زيد أسد غير مرادة.
الخامس: الكناية قسمان: حسن وقبيح. والحسن على أضرب:
الأول: التمثيل: وهو التشبيه على جهة الكناية، وهو الإشارة إلى معنىً بلفظ وضع لغيره، نحو"فلان نقي الثوب"أي: منزه عن العيوب، وموقعه في النفس أشد؛ لإرادة المعقول في صورة المحسوس.
[الإكسير في علم التفسير: 158]
ومنه قوله تعالى: {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك} فمثل البخل بغل اليد إلى العنق وكنى به عنه؛ لعدم تمكن البخيل من بسط اليد بالعطاء كالمغلول، ولقبح صورة الغل ونفرة النفوس منه، وكونه مؤلما للمغلول مبالغة في تنفيره عنه، وتنبيه على أن في البخل ضررًا وألمًا، كما للغل. ومنه قوله تعالى: {أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتًا فكرهتموه} مثل غيبة المسلمين بأكل لحم الآدمي ميتًا، وكنى به عنه؛ إذ الغيبة تمزيق العرض، كما أن أكل اللحم تمزيقه من الجلد، وذلك قبيح في بداهة العقول، ثم ترقى في مبالغة التمثيل درجة أخرى؛ بأن جعل اللحم لحم الأخ؛ لأنه أشد كراهة؛ إذ الإنسان يراعي في حق أخيه ما لا يراعي في حق غيره، ويكره له ما لا يكره لغيره، ثم ترقى فيه درجة أخرى؛ بأن جعل اللحم ميتًا؛ لا المغتاب لا يعلم بالغيبة، كما أن الميت لا يحس ظاهرًا بأكل لحمه، ثم وصل بذلك لفظ الكراهة مبالغة في التنفير.
ومنه قول ابن الدمينة:
أبيني أفي يُمنى يديك جعلتِني = فأفرح، أم صيرتِيني في شِمالِك؟