فهرس الكتاب
وفيه أبحاث:
الأول: في اشتقاقهما، أما كناية فهي من كنيت الشيء أكنيه، إذا ستره بغيره، ومنه كنية الشخص، كأبي محمد، وأبي زيد؛ لأنك سترت اسمه الأصلي بهذا اللفظ الذي سميته كنية، وقال بعضهم أصلها"كنانة"بنونين؛ لأنها من"الكن"وهو الستر.
وأما التعريض، فيجوز اشتقاقه من أصلين: أحدهما: عرض الحائط أو نحوه، بحيث لا يرى شخصه، والثاني: من قولك، عرضت الشيء أو نفسي على فلان، كأن من تعرض بشيء لغيره، قد عرضه عليه؛ ليقبله أو يفهمه.
والتعريض نوع من الكناية؛ لأن من اشتقاقه معنى الستر.
الثاني: في تعريفهما، وهو مأخوذ من معنى اشتقاقهما.
[الإكسير في علم التفسير: 155]
فالكناية: إخفاء المعنى المقصود تحت لفظ لم يوضع له، لمشابهة بين المعنيين، لخوف، أو حياء، أو مبالغة، أو غير ذلك.
فالخوف كقولك لشخص تريد قذفه، وتخاف من وجوب الحد:"أنا ما زنيت ولا أمي زانية"، أو:"يا حلال ابن الحلال"، ونحوه مما ذكره الفقهاء.
والحياء كقوله تعالى: {أو لامستم النساء} أراد الجماع فكنى عنه باللمس؛ إذ الجماع لمس خاص، فأخفى الخاص تحت لفظ العام حياء، كذا ورد في بعض الآثار.
أو تعليمًا للحياء كقوله: {وقالوا لجلودهم لما شهدتم علينا} قيل: أراد فروجهم.
والمبالغة كقول متمم:
لا يضمر الفحشاء تحت ثيابه = حلو شمائله عفيف المئزر
كنى عن عفته عن الزنا والفساد بعفة المئزر؛ لأن من أراد ذلك الأمر، حل مئزره، وهذا وجه المشابهة بينهما.
وقال ابن الأثير:"الكناية أن نذكر الشيء بغير لفظه الموضوع له، كالكناية عن الجماع باللمس"
وقال غيره: الكناية هي الكلمة التي أريد بها غير معناها، مع إرادة معناها.
[الإكسير في علم التفسير: 156]
نحو:"فلان كثير رماد القدر". فالغرض الأصلي منه، وصفه بما يلازم ذلك من الكرم، مع أن كثرة الرماد مرادة بالغرض. وهذا المثال صحيح، لكن نفس التعريف فيه نظر من وجهين:
أحدهما: أن الكناية ليست هي الكلمة، بل استعمال الكلمة في إرادة غير معناها.
والثاني: أن لفظه مستهجن مستثقل؛ لتكرار معناها فيه مرتين، مع إمكان الاحتراز منه.
وأما التعريض: فقال: ابن الأثير هو أن تذكر شيئًا يدل على شيء لم تذكره. وهو عين ما ذكر في الكناية، ألا أنه غير اللفظ، وغرضه الفرق والتمييز بينهما، وأرى ذلك مما يدق، ولهذا وقع النزاع في قول امرئ القيس:
فصرنا إلى الحسنى ورق كلامنا = ورضتُ فدلت صعبةً أي إذلال
فقال ابن سنان: هو كناية عن الجماع، يعني المصير إلى الحسنى.