فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 150

وأما قوله: إنما يستعار للموت، ما يكره لا ما يستطاب، فجوابه النقض.

يقول الحماسي:

سقيناهم كأسًا سقونا بمثلها = ولكنهم كانوا على الموت أصبرا

والكأس ظاهرة في الخمر. وهي ما يستطاب غاية الاستطابة، ولهذا رتب على شربها الحد؛ زجرًا عنها، فلئن قال: إنها استعارة هنا بجامع ما يلحق السكران من غيبة السكر المشبهة لغيبة الموت، قلنا: وأبو تمام استعار لفظ اللبن، لأنه جعل أحد قسميه رائبًا. وفي الرائب حموضة أو مزوزة مستكرهة، ولما سبق من مناسبة التراخي، وذكر الحليب لما ذكرنا من مناسبة السرعة.

[الإكسير في علم التفسير: 153]

وذكر أيضًا من ذلك قوله:

وتقاسم الناس السخاء مجددًا = وذهبت أنت برأسه وسنامه

وتركت للناس الإهاب وما بقى = من فرثه وعروقه وعظامه

قال: فاستعار للسخاء رأسا وسنامًا وإهابًا وعروقًا وعظامًا، وما قنع بذلك حتى استعار له فرثًا، فصار السخاء جملًا على الحقيقة.

قلت: وهذا ليس بقادح في الاستعارة؛ لأنه استعارة محسوس لمعقول، والجمل من أشهر المحسوسات عند العرب، وكانوا به أكثر تمثيلًا، لهذا لما سأل بعض خلفاء السلف الفرزدق: من أشعر الناس؟ قال: إنما مثل الناس، كمثل جزور يجر، فأخذ امرؤ القيس سنامه، والنابغة الذبياني لبه، وجاء زهير فأكل من أطايب لحمه، وجئنا نحن فلم نلق إلا الفرث والدم. وأظن أبا تمام بلغته هذه القضية فنقلها من الشِعْر إلى السخاء، لكونهما معنيين، ولم يعب أحد على الفرزدق، ويقل له جعلت الشعر جملًا على الحقيقة، والاستعارة في الحقيقة هي التشبيه في المعنى.

وذكر من ذلك قول بعضهم:

إلى ملك في أيكة المجدِ لم يزل = على كبد المعروف من نْيله بَرْدُ

فقال: الاستعارتان بعيدتان، لكن استعارة الأيكة للمجد أقرب من استعارة الكبد للمعروف، ومن له أدنى ذوق يعلم أن هذه استعارة جيدة لا بأس بها.

[الإكسير في علم التفسير: 154]

والحق أن مراتب الاستعارة: عليا، ووسطى، وسفلى، وهذه الأمثلة التي ذكرها وعابها، كلها وسطى، وجعل ابن سنان الخفاجي من جملتها بيت امرئ القيس:

فقلت له تمطى بصلبه .... البيت

وقال: ليس من الاستعارة الجيدة ولا الرديئة، بل هو وسط.

وهو وهم قبيح، بل هو من الرتبة العليا، وما ذكره ابن سنان في توجيه دعواه ضعيف لا يستحق أن يذكر والله أعلم.

النوع الثاني: الكناية والتعريض

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت