فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 150

ومُعَرس للغيثِ تخفق بينه = رايات كل دُجُنةٍ وَطْفَاءِ

فاستعار لفظ المعرس -وهو موضع التعريس- لموضع وقوع الغيث، ولفظ خفوق الراية -وهو اضطرابها- لهبوب السحابة عند همولها وانصبابها، لاسيما الوطفاء: وهي القريبة من الأرض، ولفظ الراية لهدب السحابة: وهو المتدلي منها.

[الإكسير في علم التفسير: 151]

كأنه هدب القطيفة، بجامع التدلي، ولفظ الدجنة: -وهي الظلمة- للسحابة السوداء.

وكذلك قوله في الخمر:

صعبت وراضَ الماءُ سيءَ خُلقِها = فتعلمتْ من حُسنِ خُلق الماء

فاستعار لها لفظ الصعوبة، لامتناعها عن أن تشرب؛ لشدة سورتها، ولتسهيل الماء شربها لفظ الرياضة؛ تشبيهًا بسيء الخلق من الناس، لاستصعابه عن حسن المعاشرة وللماء حسن الخلق لسلاسته ولينه ولطافة جوهره وحسن أثره، ولهذا يقال:

فلان ألطف أخلاقًا من الماء، وفي الحكمة"الماء من طبع الروح"ولهذا تجد النفس بمشاهدته لذة وسرورًا، يؤكده أن غالب المواضع التي ذكر فيها الماء في القرآن يعقبه ذكر إحياء الأرض الميتة، فجعل الماء للأرض، كالروح للجسد.

ومن ذلك قول بعضهم:

يا طودَ حلم ظَلْت معتصمًا به = يا بحَر جود همتُ في تياره

فاستعار لفظ"الطود"للحليم، بجامع الثبوت والرسوخ، وعدم التقلقل والاضطراب، ولفظ"البحر"للجواد بجامع الكثرة والسعة

وأما الثاني: فما كان ارتباط التناسب بينهما بعيدًا، وذكر ابن الأثير من أمثلته قول أبي تمام:

يومَ فتح سقى أُسُود الضواحي = كُثَب الموت رائبًا وحليبا

وعابه وبالغ في تقبيحه على وجهين:

[الإكسير في علم التفسير: 152]

أحدهما: أن الكثب: هي الألبان، واحدتها كثبة، والمشابهة بين الموت واللبن بعيدة، تم لم يكفه ذلك حتى جعل منها رائبًا وحليبًا.

الثاني: أن من شأن الموت أن يستعار له ما يكره، لا ما يستطاب.

وعندي أنه جازف في هذا، وجار على أبي تمام؛ فإن هذه الاستعارة في غاية العلو، وليست في غاية السقوط، كما زعم؛ وذلك لأنه لا خلاف أن الموت مستعار فيه اسم السقي والتجريع كقول القائل:

أسُود شرى لاقَتْ أسودَ خفيةٍ = تساقوا على حرْدٍ دماء َالأساود

فأبو تمام استعار لفظ السقي في سياق ذكر الموت، ثم لما رأى أن بعض بني هذه الحرب اخترم في أوائلها سريعًا، وبعضهم تراخى عنه الموت وأبطأ إلى آخر الحرب تم وافاه، رأى أن أشبه الأشياء بحالهم سرعة وإبطاء: اللبن الحليب الرائب، لأنه يسمى حليبًا عقيب حلبه، ورائبًا إذا تراخى عن زمن حلبه، فاستعار لفظ اللبن لمناسبة حال بني هذه الحرب صفة الحليب والرائب في التعقيب والتراخي، ولعمري إن هذا تصرف حسن، وقريحة جيدة، وإن الله يأمر بالعدل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت